الإسلام دين السماحة..والنبي محمد مبعوث الرحمة والإنسانية / 2

بقلم : عبود مزهر الكرخي

ولو استكملنا ما يؤشر على سماحة الدين الإسلامي نجد أنه :
5 ـ أن الإسلام أباح الزواج من الكتابيَّة مع بقائها على دينها، فلو كان الإسلام يُجبِر أحدًا على اعتناقه لأجبر الزوجة على ترك دينها واعتناق الإسلام. وخير مثال على ذلك أن أحدى زوجات الرسول الأعظم محمد(ص)كانت كتابية وهي مارية القبطية والتي أنجبت له ابراهيم. فهي الوحيدة من بين زوجات الرسول (بعد خديجة) التي أنجبت له ولدا (ص)، وكان رسول الله صل الله عليه وآله وسلم يُحبّ مارية حبّاً كثيراً، كما يحب كل نسائه و كان يعدل بينهن جميعاَ. والإفك المذكور في سورة النور وهو الاتهام الذي وُجّه إلى عرض النبيّ (صلّ اللّه عليه وآله وسلّم) ـ أيّ إلى بعض أهله ـ بالفحشاء وذلك من قبل عُصبة من القوم المعاصرين للنبيّ (صلّ اللّه عليه وآله وسلّم)ومارية القبطية هي التي نزلت فيها آية الافك وبراءتها فقد وردت في روايات الشيعة أنّ المتّهِم عائشة ، وأنّ المتَّهمة هي مارية القبطية نزلت فيها سورة الأفك، والآية تقول{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ }(1).
قال ابن أبي الحديد: وجرت لمارية نكبة… فبرّأها علي عليه السلام منها، وكشف بطلانها أو كشفه الله تعالى على يده، وكان ذلك كشفا مُحَسّاً بالبصر، لا يتهيأ للمنافقين أنْ يقولوا فيه ما قالوه… (2).
6 ـ أن الإسلام أقرَّ بقاء غير المسلمين على دينهم، واكتفى منهم بمبلغ سنوي زهيد جدا (أقل بكثير من الزكاة المفروضة على المسلمين) من أجل توفير الأمن لهم وحمايتهم من أي اعتداء خارجي، وجعل ذلك مقصورا على الرجال المقتدرين فقط، فلا يُؤخذ شيء من النساء والصبيان والفقراء والمرضى العاجزين والشيخ الفاني والرهبان، بل يجب حمايتهم والذود عنهم مع بقائهم على دينهم جميعا، وهذا من أدل الدلائل على أن الإسلام لم يأت لإجبار أحد على الدين. وهذا المبلغ هو ما يسمى في الإسلام الجزية وهو ما أقره القرآن في محكم كتابه حيث ذكر ذلك بقوله { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }(3).
والحكمة من اخذها انه ذكرت عدة أقوال في ذلك من أخذ الجزية من قبل أهل الكتاب ومن مصادر الشيعة في تفسير هذا الأمر، ومنها: جعل اللّه‏ تعالى الجزية على أهل الكتاب حقناً لدمائهم، ومنعاً من استرقاقهم، ووقاية لما عداها من أموالهم(4)، فالجزية عبارة عن أجرة ومعاوضة عن حق حياتهم تحت لواء الإسلام، ويشير إلى ذلك ما ورد في صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه‏ عليه السلام قال: … إنّما هم قوم فدوا أنفسهم من أن يستعبدوا أو يقتلوا … (5).
وإذا أردنا تحليل المسألة نجد أن أهل الكتاب سوف يعيشون في الدولة الإسلامية دون أن يدفعوا لها أي مقدار من المال لأن الزكاة والخمس غير واجبة عليهم بخلاف المسلمين حيث نجد أن عليهم الزكاة والخمس، فكان من المناسب أن تفرض عليهم ضريبة مالية على الرجال منهم وتعيد التوازن إلى حركة انتقال الأموال بين المجتمع الواحد، هذا من وجهة اقتصادية ومن وجهة أخرى إن فيها تصغير لشأنهم بأن يكونوا مواطنين منقادين لقوانين الإسلام حتى تحفظ لهم أنفسهم وأموالهم. ” وليس في الجزية حد مرسوم لا يجوز تجاوزه إلى ما زاد عليه ولا حطة عما نقص عنه، وإنما هي على ما يراه الإمام في أموالهم، ويضعه على رقابهم على قدر غناهم وفقرهم . وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد جعل على أغنيائهم ثمانية وأربعين درهما، وعلى أوساطهم أربعة وعشرين درهما، وجعل على فقرائهم اثنى عشر درهما . وكذلك صنع عمر بن الخطاب قبله، وإنما صنعه بمشورته عليه السلام . روى حريز عن زرارة قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما حد الجزية على أهل الكتاب ؟ فقال : ذاك إلى الإمام، يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ما له وما يطيق “(6).
والجزية هو نفسه نفس مفهوم الضرائب في أغلب الدول التي تعمل في وقتنا الحاضر وخصوصاً في الدول الغربية فالذي يدفع الضرائب يعطى الجنسية او اللجوء ويدافع عنه كمواطن من مواطني ذلك البلد، ثم بماذا رسوم الفيزا التي تأخذها الدول عند قدوم الاجنبي الى دولتها وحتى رسومها بين من يقوم بفيزا سياحية او عمل او دراسة وحتى للعلاج وحتى رسوم فحص الايدز وغيرها من الرسوم التي تفرضها على الأجانب وحتى على من غير دين الدولة الرسمي، ولكن فقط يستشكل على رسوم الجزية التي يفرضها الإسلام ويقيمون الدنيا ولايقعدوها على هذا الامر وهو لها مفهوم ديني واقتصادي. كذلك الاسلام في قبال حمايته لأهل الكتاب لابد ان يدفعوا في قبال ذلك ضريبة مالية وهذه الضريبة هي الجزية ولا يطالب من أهل الكتاب بأكثر من دفع الجزية بينما المسلمين عليهم ضرائب اخرى وهو دفع الزكاة والخمس .وهذا هو مفهوم الجزية وببساطة والذي الملحدين والعلمانيين ومن لف لفهم يقيمون الدنيا على هذا الأمر والحقيقة أن أموال الجزية تنفق على الأمور التالية حتى لا يساء هذا المفهوم وتشويههُ. حيث كانت الجزية في عصر النبي(صلى الله عليه وآله)وسلم توزع على المجاهدين(7)، أما الآن فقد اختلف الفقهاء في مصرفها على أقوال، وهي:
القول الأول: إنَّ الجزية للمجاهدين القائمين مقام المهاجرين(8).
القول الثاني: عدم انحصار مصرفها بالمجاهدين، وجواز صرفها في سائر المصالح(9) أو الفقراء(10).
القول الثالث: إنَّ الجزية مختصة بطائفة خاصة من المجاهدين، وهم المعدون للجهاد كالقوات المسلحة في زماننا، لامن يشارك في الجهاد عند الضرورة وهو مشتغل بأعماله الشخصية(11).
ومن هنا أردنا أن نشير الى هذا الأمر الذين يتخذونه المعادين لديننا الحنيف للهجوم والنيل من الرسالة المحمدية العظيمة والتي جاءت رحمة للعالمين، والإسلام إنما جاء هدى و رحمة للعالمين من يوم نزوله إلى أن تقوم الساعة، وهو ليس عدوا لمن استظل تحت رايته أو سالمه وسالم أهله، بل عدوُّ الناس وعدو تقسه هو الذي يعاديه ويعادي أهله… وهو امتداد للهدى الذي منحه الله تعالى للبشرية من يوم خلق أصلها آدم عليه السلام، وجعله معيارا يفرق به بين المهتدين والضالين، كما قال تعالى: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم }(12).
والإسلام كذلك رحمة لكل من رغب في رحمة الله من الناس، كما قال تعالى واصفا رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }(13). اي انه النبي محمد(ص) مبعوث رحمة لكل العالمين وليس للدين الإسلامي أو لطائفة معينة أو مذهب معين لأنه خاتم النبيين وسيد المرسلين والذي بعثه الله سبحانه رحمة للعالمين أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
1 ـ [النور : 11].
2 ـ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج 9 ص 195 ـ 196 .
3 ـ [التوبة : 29].
4 ـ المفيد، المقنعة، ص 269.
5 ـ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 15، ص 149.
6 ـ النص مأخوذ من موقع مركز الابحاث العقائدية. الاسئلة و الأجوبة » أهل الكتاب » احكام الجزية. الرابط
http://www.aqaed.com/faq/4172/
7 ـ المفيد، المقنعة، ص 274.
8 ـ الطوسي، الخلاف، ج 4، ص 218.
9 ـ المفيد، المقنعة، ص 274.
10 ـ ابن ادريس الحلي، السرائر، ج 1، ج 474.
11 ـ القمي، الولاية الإلهية الإسلامية، ج 2، ص 419.
12 ـ [الإسراء : 9].
13 ـ [الأنبياء : 107 ].

وسوم :