فايزر تنتظر والصحة تتعاقد مع وسيط عراقي لتوريد اللقاح الصيني

أعلنت منظمة الصحة العالمية وصول معدلات التطعيم الجارية حالياً ضد فيروس كوفيد-19 إلى 240 مليون جرعة حول العالم حتى الآن، والعراق مازال خارج هذا المعدل. معظم دول الجوار بدأت مرحلة توزيع اللقاح عدا العراق، بل أن حملات التلقيح بدأت منذ أسابيع وشملت دولاً فقيرة وأخرى ذات موارد محدودة جداً، بالرغم من قرار مجلس الوزراء في جلسته يوم 26 كانون ثاني الماضي أي قبل نحو أكثر من شهر والقاضي بتخصيص 100 مليون دولار لشراء اللقاحات المضادة لفيروس كورونا.

 

ناشطون مدنيون ومعهم أوساط واسعة وعبر مواقع التواصل الاجتماعي انتقدوا صمت الحكومة إزاء تجاهل وزارة الصحة المخاطر المحدقة بالعراق جراء تأخر اللحاق بموجة التهافت العالمي للحصول على اللقاح المناسب بشكل مبكر. وانتشرت منذ أيام حملات انتقاد لاذعة وسخرية لافتة استهدفت الإخفاق الواضح للوزارة المعنية بصحة المواطنين في تأمين كميات مناسبة من اللقاح أسوة حتى بالدول الفقيرة. وسط إطلاق هاشتاغ #اللقاح_وين ؟! إلى جانب آلاف التغريدات على منصة تويتر.

 

وزارة الصحة وفي بيان لها أفادت “تم توقيع الاتفاقية بتاريخ 21/ 12/ 2020 لتجهيز العراق بمليون ونصف مليون جرعة على ثلاث دفعات، وعقدت اجتماعات متعددة مع ممثلي الشركة لمناقشة القضايا اللوجستية حول خزن ونقل اللقاح وتوفير المستلزمات الضرورية لذلك والتحضير إلى مرحلة نقل وتوزيع اللقاحات، لكننا تفاجأنا برسالة من شركة فايزر بتأريخ 15/ 2/ 2021 تشترط تشريع قانون للحماية من المسؤولية والتعويضات قبل توريد اللقاح إلى العراق مما أدى إلى تأخر وصول لقاح فايزر لحد الآن علماً أن بقية الشركات العالمية المصنعة للقاحات اكتفت بوثيقة موقعة بين الطرفين تحميهم من المساءلة والتعويضات”.

 

المراقبون لموضوعة اللقاحات يعلمون علم اليقين بأن دولاً عظمى مثل أمريكا والمملكة المتحدة وغيرهما أعطت الشركة المنتجة للقاح فايزر هذه الحماية، وقد تم الإعلان عن ذلك في 3 كانون الأول الماضي، بعناوين صحفية تصدرت معظم الصحف والمواقع الخبرية حول العالم.

 

مصادر مقربة من الحكومة ألمحت إلى أن شركة فايزر اشترطت ضمان تقديم الحماية القانونية عند إبرام العقد، وأن الوزارة كانت على علم بهذا الشرط لكنها تأخرت في عرضه خلال الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء إلى جانب تقاعسها في طلب عقد جلسة طارئة للمجلس لمناقشة ومعالجة أزمة توفير اللقاح. علماً أن مجلس الوزراء أقر مشروع قانون حماية الشركات المنتجة للقاح في 21 شباط الجاري. واللافت هنا هو تعليق وزير الصحة حسن التميمي بقوله “إن مطالبة شركة فايزر بوثيقة الحماية من المسؤولية قبل تقديمها اللقاح المضاد لفيروس كورونا إلى العراق أمر روتيني اتبعته الشركة الأميركية مع كل الدول التي وقعت عقوداً معها”.

الشركات الوسيطة مجرد سماسرة

بعد ارتفاع موجات الاستهجان والسخرية من تأخر وزارة الصحة في اتخاذ القرار المناسب في الوقت الأنسب فقد اضطرت الوزارة إلى مطالبة مجلس الوزراء وعلى وجه السرعة بالموافقة على شراء أنواع أخرى من لقاحات لا تحتاج إلى وسائل وشروط خزن ونقل وتداول محددة كما هو حال لقاح فايزر.

 

وبحسب مصدر مطلع فإن وزارة الصحة طلبت من مجلس الوزراء إقرار التعاقد مع شركة عراقية وسيطة باسم (ع. ق) على شراء 6 ملايين جرعة من اللقاح الصيني بسعر 32 دولاراً للجرعة الواحدة في صفقة تبلغ نحو 200 مليون دولار، بخلاف كل دول العالم التي فضلت وأسرعت بالتعاقد مع الشركة المنتجة مباشرة من دون وسيط! حتى اللحظة مازالت الإجابة غائبة عن مساءلة وزارة الصحة بجدوى التعاقد مع شركة عراقية وسيطة برغم توفر إمكانية التعاقد مع الشركة الأم مباشرة؟ وطلبت وزارة الصحة من مجلس الوزراء إقرار فتح اعتماد مالي داخلي باسم الشركة الوسيطة على عكس الاعتمادات الاستيرادية والتي تكون باسم الشركة المصنعة خارج العراق.

 

متابعون للشأن العام مازالوا يتساءلون أيضاً هل تم تحويل دفعات من المبالغ المخصصة إلى شركة فايزر من قبل وزارة الصحة التي ادعت تعاقدها مع الشركة؟ فيما نفى مصدر مطلع في مجلس الوزراء فتح أي اعتماد مالي لصالح شركة فايزر وهذا يعتبر خرقاً لبنود العقد مع الشركة مما يزيد من التساؤلات حول هذا العقد وأسباب إخفاق الوزارة في تنفيذ بنودها لتفادي الفشل في تأمين حصة العراق من اللقاح ولا بد من السؤال هل هذه محاولات من الوزارة لتأخير توريد لقاح فايزر لإجبار الحكومة للتعاقد على لقاح الشركة الصينية؟

 

الملفت في عقد شراء لقاح الشركة الصينية أن سعر اللقاح هو الأعلى مقارنة بسعر لقاح فايزر والبالغ 20 دولار للجرعة وسعر لقاح استرازينيكا البالغ 4 دولارات للجرعة الواحدة، علما أن هذا اللقاح ليس بحاجة إلى معدات خاصة للخزن والنقل كما هو الحال مع لقاح فايزر ويوفر مناعة أقوى من اللقاح الصيني.

 

على نحو متأخر أعلنت وزارة الصحة في بيان لها اليوم “لقد أثمرت جهود وزارتنا بالتواصل مع الدول الصديقة في الحصول على منحة من الحكومة الصينية لتأمين دفعة أولى من لقاح شركة سينوفارم الصينية وسوف تصل إلى العراق يوم الاثنين الأول من آذار إن شاء الله، تليها دفعات أخرى بعد الاتفاق مع شركة سينوفارم لشراء كميات أخرى من اللقاح”. فيما نشر موقع السفارة الصينية في بغداد خبر المنحة منذ يوم 4 شباط الجاري مفاده “من أجل التعبير عن مشاعرها الودية تجاه العراق حكومة وشعباً ومساعدة العراق على التغلب على جائحة كوفيد-19 في أسرع وقت ممكن، قررت الحكومة الصينية التبرع بخمسين ألف جرعة من اللقاحات ضد كوفيد-19 للعراق الصديق” كما أكد السفير الصيني في بغداد تشانغ تاو اليوم “في ما يخص إجراء التعاون الدولي بشأن اللقاحات المضادة لكوفيد-19، لا يسعى الجانب الصيني وراء أي هدف جيوسياسي، ولا يخطط لكسب أي مصلحة اقتصادية، ولا يفرض أي شرط سياسي”.

 

في الوقت الذي ينبغي فيه أن نثمن مبادرة الصين في منح العراق نحو 50 ألف جرعة مجانية من اللقاح، علينا أن نلفت اهتمام مراكز القرار العراقية وفي مقدمتها رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية، إلى إمكانية التوجه نحو حكومات الولايات المتحدة الأمريكية والبريطانية بل ودول الاتحاد الأوروبي على نحو عاجل لإمداد البلاد بشحنات طارئة من اللقاحات المنتجة في بلدانها، إنطلاقاً من كون العراق يخوض ومنذ سنوات خلت حرب التصدي للإرهاب نيابة عن العالم ودفع ثمناً باهضاً مالياً وبشرياً وإقتصادياً وعسكرياً خلال هذه الحرب الضروس والتي مازالت مستمرة في إستهدافها لبقايا الارهاب وخلاياه النائمة وزواياه المظلمة. ومن المؤكد هنا أن عواصم العالم لن تتوانى في تقديم المزيد من الدعم والإسناد إلى حكومة بغداد لتمكينها ليس لمواجهة أزمة كورونا فحسب بل أية أزمة يترتب معها وقف استنزاف قدرات وطاقات العراقيين. إن استجابة حكومات العالم المتقدم وتقديمها للمساعدات الطارئة للعراق في هذا الظرف الحرج بالتأكيد لن تكون بديلاً على سياسة الحكومة الواجب اتباعها بالتعاقد قصير الأمد لتأمين احتياجات البلاد من مستلزمات ومتطلبات الحماية والأمان لحياة الأفراد، إلى جانب تصديها ومتابعتها الصارمة لوقف ومنع صفقات الفساد والحيلولة دون التلاعب بمصائر الأبرياء من أبناء الشعب. وبإمكان حكومة الكاظمي تشكيل لجنة وزارية عليا يرأسها رئيس مجلس الوزراء شخصياً وعضوية وزراء المالية والصحة والنقل والمؤسسات ذات العلاقة للسيطرة على آلية التعاقد وتعجيل وتائرها على نحو السرعة لتدارك ما يمكن تداركه من خسائر وتضحيات مازالت المواقف اليومية لوزارة الصحة تعلنها يومياً.

 

لقد حصدت جائحة كورونا الآلاف من أرواح العراقيين منذ أن أطلت برأسها في بداية عام 2020 ومازالت. ولكون الأزمة التي عصفت بالعالم أجمع أوشكت على الانتهاء، لذا يجب أن يعمل رئيس وأعضاء مجلس الوزراء على منع الصفقات المشبوهة في شراء اللقاح، وإلزام وزارة الصحة بالتعاقد المباشر مع الشركات المنتجة مباشرة من دون وسطاء ودفع كوميشنات لأنها اليوم أمام الامتحان الصعب إنسانياً ووطنياً وقبل هذا وذاك تأكيد صدق التزامها بقيم مهنة الطب النبيلة ومعاييرها المهنية والإخلاقية.

 

وسوم :