واشنطن وطهران.. مقاربات نووية وحلول قد ترى النور

 
الدكتور حسن مرهج
لا تزال المباحثات المتعلقة بالاتفاق النووي الإيراني مؤطرة بتجاذبات جمة، وحالة من الكباش السياسي، دون تحقيق أي اختراق يُفضي إلى التوصل لاتفاق جديد بين المجموعة الدولية وإيران، وبطبيعة الحال فإن مباحثات فيينا الأخيرة شأنها شأن ما سبقها من مباحثات، لم تطال سوى مناقشة المواقف الدولية والرؤى المتعلقة بالاتفاق النووي، فضلاً عن إمكانية تذليل أي صعوبات من شأنها تأخير التوصل لاتفاق جديد، درءً للمخاطر المترتبة على هذا التأخير، فقد ركزت المحادثات غير المباشرة في فيينا على القضايا الأساسية، وهي التأكيد على الخطوات النووية التي يتعين على إيران القيام بها وفقاً لالتزاماتها، وأيضاً الخطوات التي يجب أن تتخذها الولايات المتحدة حتى يمكن العودة إلى الاتفاق، دون التطرق إلى ممارسات الإدارة الأمريكية تُجاه طهران، وتعطيل التوصل لاتفاق جديد، نتيجة الـأخر في رفع العقوبات الأمريكية بشكل كامل عن إيران، الأمر الذي سيُزيد من عزلة الولايات المتحدة، عطفًا على أن الإدارة الأمريكية ستخسر مصداقيتها الدولية في حال الاستمرار في تبني نفس النهج التفاوضي والسياسي مع إيران.
وعلى الرغم من السياسات الأمريكية حيال طهران، فإنه من الواضح أن واشنطن تستجدي إيران للعودة إلى الاتفاق، لكن وفق الشروط الأمريكية التي رفضتها إيران، فالترجمة الواضحة لمطالب إيران، لم تلقى إستجابة حقيقية وفعلية من قبل واشنطن، خاصة أن طهران أبدت مرونة واضحة لجهة العودة إلى الاتفاق، الأمر الذي يُفسر بشكل جلي توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة حيال هذا الملف، وفي جانب أخر، فإن العديد من الشركاء الدوليين لا يُخفون رغباتهم بالعودة إلى بنود الاتفاق النووي، لكن يبدو أن واشنطن تحاول الإبقاء على صورتها كـ راعية لهذا الاتفاق، لكن في الواقع فإن كل تأخير من قبل إدارة بايدن، يدفع طهران وبقوة نحو المزيد من التجاهل لهذا الاتفاق، فضلا عن الشروع بعمليات تخصيب متقدمة، واستكمال العمل بتطوير الصواريخ البالستية.
في جانب أخر، يلاحظ أن الخطاب الأمريكي على المستويين السياسي والإعلامي، لم يتغير وبذات التوقيت لم يُفلح في تحريك المشهد التفاوضي مع إيران، بل كانت جُل السياسات الأمريكية ترتكز على جُزئيتي الشد والجذب، بُغية إحراج إيران والقول بأنها هي من تعطل العودة إلى الاتفاق، لكن في حقيقة الأمر، فإن الخطاب السياسي الأمريكي دائما ما يعود للمربع رقم صفر، من خلال الإعلان عن إمكانية تجزئة الحلول والخيارات بمعنى عودة الجانب الأمريكي للاتفاق بدون شرط أو قيد، وتفعيل الحضور الأمريكي بالتنسيق مع الجانب الأوروبي ثم الدخول في مفاوضات لاحقة على مجمل الطرح الأمريكي، دون المبادرة إلى رفع العقوبات عن إيران، وتحقيق المطلب الإيراني بتجميد هذه العقوبات، والواقع أن المماطلة الأمريكية في تنفيذ مطالب إيران، لا ينبع من موقف قوة، بل على العكس، فهذا الأمر يفضح حقيقة النوايا الأمريكية تُجاه طهران، ويُفند بدقة عمق السياسات الأمريكية الرامية أصلاً إلى شيطنة إيران وسياساتها في الإقليم.
ضمن ما سبق، من المتوقع أن تواجه الإدارة الأمريكية بمواقف مستجدة مع احتمالات أن تفرز الانتخابات التشريعية الإيرانية نهجا جديدا في التعامل ردا على ما يجري، وفي إطار من الحسابات المخطط لها جيدا في إيران وترتبط بالفعل بمنهج عمل قائم على فكرة توزيع الأدوار، وهو ما يعني أن إيران ستعمل على الوصول إلى هدفها المركزي، وهو الحصول على المكاسب الكبرى، أي رفع حالة العقوبات والانطلاق للعمل مع الاقتصاد الدولي في ظل آليات سبق أن اتبعتها بصرف النظر عن التهديد بالعودة للتخصيب، والانتقال إلى مرحلة جديدة في المواجهة، فالمعروف أن إيران على وشك الدخول في مرحلة العتبة النووية، بصرف النظر عن نسب التخصيب التي تلوح بها دوريا، وهي تدرك أن المسألة باتت مرتبطة بعنصر الوقت ليس أكثر، ويكفي هنا الإشارة إلى رسائل الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي ترى أن إيران مراوغة بالفعل خاصة أنها استخدمت أجهزة طرد مركزي من طرازات أكثر تقدمية على غرار جهازي ir2m / ir6، بالتالي فإن إيران تعرف جيدا كيف تتعامل وتتحرك.
كل ما سبق، يضع الإدارة الأمريكية أمام سيناريو جديد يتمحور حول المسارعة إلى العودة للاتفاق مع ايران، فمن المعروف أن رفع سقف المطالب إنما يأتي في إطار تمهيد الطرق للتوصل إلى تسوية، وهذا النهج الأمريكي الجديد لن يُفلح في تطويع إيران، خاصة أن طهران تُدرك أن الحديث عن أي تغيير في نمط التعامل الأمريكي سيتطلب بالفعل إعادة ترتيب الحسابات والتقييمات السياسية والاستراتيجية للتعامل الأمريكي مع إيران، وهو الأمر المرتبط بالأساس بدور ومواقف بعض الأطراف الرئيسية في الإقليم، ومنها دول الخليج العربي وإسرائيل، والتي كان من المفترض أن تضغط الولايات المتحدة في اتجاه إجراء حوار إقليمي حول الحركة الإيرانية، وهو ما رفضته طهران بالفعل، فيما ظلت الإدارة الأمريكية تعرض مقترحاتها، وظلت إيران ترفض الخيارات تباعا، وهو ما يؤكد أن إيران مستمرة في نهجها المكرر والقائم على التفاوض على البرنامج النووي فقط وعدم التطلع إلى أي مفاوضات أخرى.
في المحصلة، يبدو واضحًا أن الإدارة الأمريكية تدور في حلقة مفرغة، وتبحث عن حلول تجذب إيران إلى اتفاق جديد، لكن إيران في المقابل حددت كل المسارات التي يجب على الإدارة الأمريكية أن تتبعها لتصل إلى أبواب طهران، دون ذلك، فإن إيران ماضية قدما في توسيع مقدراتها النووية، عطفا على تحديد المسارات التي ستتبعها الإدارة الأمريكية للوصول إلى أبواب طهران، ما يعني أن التوصل لاتفاق جديد لن يكون الا وفق ما تريده الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
كاتب فلسطيني

وسوم :