ابن الخَطيب.. نكبة المستشفى والطّبيب

رشيد الخيّون

كان حريق مستشفى ابن الخطيب، صباح الأحد 25 أبريل2021 تأكيداً على أن بغداد تصوم إلا عن الدِّم، والدَّم كناية عن الموت، وإن اختلفت أسبابه: حرقاً، غرقاً، تفجيراً، اغتيالاً، وستبقى هكذا طالما للفساد ميليشيات تحميه، ومَن سوء حظ العراقيين أن صحتهم، مرهونة بيد السائرين بها مع الوباء، ولا ندري ما الحقَّ على أهل العراق كي تتلاعب جماعات الفساد بالأصحاء والمرضى منهم؟! قال الجمال البُغَيْدِيديّ(نحو 604 هجريَّة)، في الثُّقلاء مِن أمثال هؤلاء: «فإذا زرت لا تزر بجنيبٍ/لا يكون الطَّاعون والحَجَّاجُ»(الأندلسي، الغصون اليانعة)، وحصل أن أصاب الطَّاعون العراق وهو تحت سلطة الحجَّاج الثَّقفي(ت: 95هجريَّة).
اقرأوا كتاب الطَّبيب هاشم الوتري(ت: 1961): «تاريخ الطِّب في العراق»(1939)، الوتري الذي حياه الجواهري: «مجَّدْتُ فيكَ مَشاعِراً ومَواهبا/ وقضيْتُ فَرضاً للنوابغِ واجِبا/»(الوتري: 1949)، و«تاريخ الطِّب العراقي» للباحث عبد الحميد العلوجي(ت: 1999)، بعدها ستفجعون بما آلت إليه الأحوال الطّبية، في الدَّواء وسلوك الطَّبيب! يوم كان الطّب يبنى حَجرةً حَجرةً، وإذا به يُهدم حجرةً حجرةً. فما كنا سنعيش زمناً تحترق فيه المستشفيات بمرضاها، فلكم تصور إلى أين وصل استهتار الفاسدين!
كان المستشفى الذي شبت فيه نار الخراب، نشأ بمبادرة مِن أطباء، وسياسيين، وأهل جاهٍ خيرين، يوم كان السّل(التدرن) يفتك بالعراقيين. يُسافر الميسورون للعلاج بلبنان، عندما كانت بيروت قِبلة للصحة والثَّقافة. بهذا الدَّافع تأسست جمعية «مكافحة السّل»(1944)، فتآزر البُّناة لإنشاء مستشفى خاص، مِن يهود ومسيحيين ومسلمين. ورئيسها رئيس الدِّيوان الملكي تحسين علي الأمين(ت: 1970)، وظل رئيساً حتَّى 1959. كان يتسم بالمقدرة والشُّعور بالمسؤولية، فضل الاستقالة، عندما طُلب منه الموافقة على منح الوصي على العرش قرضاً، وهو بمنصب مدير الأوقاف(بصري، أعلام السِّياسة في العراق الحديث)، وكان أرخ للجمعية والمستشفى(مذكرات تحسين علي). أُطلق عليه اسم «مستشفى عبد الإله»، وبعد تموز 1958 سمّيَّ بمستشفى «التويثة»، الواقع على ضفاف نهر ديالى، جنوب شرق بغداد، وبعد ذلك سلمته الجمعية للدولة جاهزاً 1959(أعلام السِّياسة). بعد ذلك أُسس فيه قسمان باسم الطَّبيب «ابن زهر» وتلميذه «ابن الخطيب».
لا تحتاج نكبة المستشفى مِن دليل على الخراب العام، فالحريق ألتهم أكثر مِن مائة مراجع ومريض وموظف، بل أَحْرَقْت عائلات بالكامل، بينما كان الفاسدون يتبادلون ولائم الإفطار في القصور المسلوبة. أما مَن كرمته بغداد وأطلقت اسمه على المستشفى المنكوب فهو أندلسي غرناطي، اشتهر بعلاج الأوبئة، وكتب في مواجهة أشهر طاعون(749 هجريَّة)، الذي بدأ مِن الصِّين. كان عنوان رسالته «مُقنعَة السَّائل عن المرض الهائل»، شرح فيه الوقاية والعلاج(تحقيق حياة قارة، الرَّباط 2015).
أُتهم لسان الدِّين الخطيب الغرناطي(قتل 776هـ)- صاحب الطب والموشحات والتاريخ- بالكفر. أرخ معاصره ابن خلدون(ت: 808 هجريَّة) لمحنته، وكيف سُجن وعُذب، بعد أن واجهه الفقهاء بعبارات من كتبه، اعتبروها دليلَ كفره، فأفتوا بهدر دمه. قُتل خنقاً داخل السّجن ثم أُحرق. «فدفن في مقبرة باب المحروق، ثم أصبح من الغد على شأفة قبّره طريحاً، وقد جمعت له أعواد وأضرمت عليه ناراً»(ديوان المبتدأ والخبر). رثى نفسه قائلاً: «فَقَلْ لِلْعَدَاءِ ذَهَبَ اِبن الخَطِيب/ وفَاتَ ومَنْ ذَا الّذِي لَا يفَوِّتُ»(نفسه). أقول: بين نكبتي المستشفى والطبيب مرت دورات مِن الخراب، وأفجعها أن ترى المستشفى فيها استحال تنوراً!

وسوم :