فرحة العيد

 
 
فاطمة عطفة
عندما نتحدث عن العيد وأفراحه التي تزهو وتليق أكثر منا بالأطفال، لا نملك نحن الكبار إلا أن نردد بلهفة موجعة: (عيدٌ، بأيةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ؟!) نتذكر الأحبة الغائبين الذين تناثروا ممزقين في بلدان العالم ومخيمات اللجوء وسواحل الموت والضياع. كم أم فقدت أبناءها وعجزت عن لقائهم أو سماع أخبارهم من سنين؟ كم أسرة تفككت بسبب الهجرة والتشريد والسفر؟ وكم غائب عزيز غادر حياتنا ولم يترك لنا إلا مرارة الذكرى وأحزان الغياب؟
نعم، العيد حافل بالأفراح والآلام على غير عادته أيام زمان، وها نحن نسترجع في أيامه وجوه أحبتنا وأحاديثهم وطيب الحياة معهم، ولا نملك لهم غير الشوق وأمل اللقاء… ويبقى الوطن الممزق الجريح يعيش في مهجة القلب، كيف كانت أزقة القرية تموج.. وشوارع المدينة تضج بالجمال والبهجة والمحبة، وتمتلئ البيوت بالأنس والوئام، فتطيب الزيارات والتحيات بين الأهل والجيران، وتعم الجميع رائحة الحلويات منطلقة من الأفران والبيوت. وتبادر الأهالي والجيران إلى تبادل كعك العيد، وهذه وحدها تشكل قصة تعبر بعمق وإخلاص عن تلك المحبة التي تختلط بدفء أيدي من عجنوا كعك العيد، وتترك أثرا إيجابيا طيبا عند تذوقه.
أما صواني الحلويات التي تقدم للضيوف أو توزع على الجيران والأقارب في القرى والأرياف، فهذه حكاية تروي تقاليد تراثية تمتد في صحائف التاريخ إلى مئات السنين. أما المدن فلها طابعها الخاص حيث تلعب التجارة دورها المعروف وتعرض الحلويات بكل أنواعها في المحلات. لكن ظروف الكورونا فرضت طرقا مختلفة لتأمين المواد الغذائية وأصبحت الحلويات تصل إلى البيوت عن طريق الطلب عبر الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي، فقد انتعشت ثورة المعلومات وتقدمت التكنلوجيا إلى الواجهة لتلبي كل ما يطلب منها في توزيع الطلبات، كما ساعدت في إقامة اللقاءات وعقد المؤتمرات عن بعد.
فرحة العيد اختلفت وتركت آثار هذا الاختلاف على الأطفال الذين ينتظرون ثيابا جيدة، كما ينتظرون استكمال فرحتهم بعيدية من الجد أو الجدة أو من الوالدين. ولكن، هل فكرنا في الأطفال الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم أو أجدادهم، هؤلاء الأيتام الضحايا والمحرومون من كل شيء، حتى من الحنان الإنساني الضئيل، كيف نعوض عليهم ونخفف عنهم قسوة الفقد وأحزان ذلك الغياب؟
ولكن، في هذه الظروف التي توجت بوباء الكورونا سنوات الحرب والقتل والدمار، هل نلجأ للأحلام فنقول: ما أجمل أن يطل علينا عيد رمضان ونحن مجتمعون في جو من المحبة والأحاديث الأليفة، وأطفالنا يركضون من حولنا. وما أجمل زيارة الأسواق مع الأطفال لاختيار ملابس العيد ولعب العيد، وما ألطف زيارة الجيران والأصحاب وتطييب خواطر من كسرت خواطرهم. وفي ختام الرحلة، تبقى الأحلام مجرد خطرات شاردة في عالم الخيال.
إن العيد وأيامه وأفراحه وملذاته كلها تمر في حياتنا كلمحة عابرة، ويبقى جبر الخواطر ولقاءات المحبة والاطمئنان والتسامح الإنساني هي التي ننتظر أن تأخذ مجراها المأمول وتتم عبر ثلاثة أيام من التواصل العزيز مع الأهل والأصدقاء، وننعم بطيبات هذه الأيام لأن تواصل الرحمة والحنان وأعمال الخير والإحسان هي الأجدى والأحلى، بينما يروق للأطفال مرحهم في أراجيح العيد واختيالهم باللباس الجديد، أو تنافسهم في عد وإحصاء ما وصل إليهم من نقود العيدية، وهم يتنقلون بين بسطات الحلوى وأنواع الدمى وألوان البالونات وتقليد الفرسان بركوب الحصان أو الدراجة ثلاثية العجلات، وكأنهم يؤكدون لنا أن العيد لهم وحدهم، وعلى الكبار أن يتخلوا عن نزوات العداوة والبغضاء، والأجمل أن يقلدوا أطفالهم بكل طيبة وفرح وبساطة.

وسوم :