كيف قرأ روبرت بيل اسباب انهيار التجربة الاشتراكية السوفيتية

 
قليلة هي الدراسات الرصينة التي عرضت بذكاء ثاقب لاسباب انهيار “الاشتراكية السوفيتية” على هذا النحو المفاجيء الذي أذهل حتى اعدائها!
هل كان السبب هو البنية الخاطئة للنظرية الاشتراكية؟ هل هي مثاليتها – كما يقول البعض- والتي لا يمكن تطبيقها على الأرض، أم أن هناك اسباباً اقوى هي التي عجلت في انهيار هذه التجربة على ارضها “الأم” –واعني الاتحاد السوفيتي السابق- وسائر المنظومة الاشتراكية؟
الكاتب العالمي والمحلل الاستراتيجي روبرت بيل يقرأ أسباب هذا الانهيار قراءة واقعية فيها الكثير من الصحة والوضوعية.
في كتابه “الامبريالية الجديدة” الذي ترجمه ترجمة راقية مازن الحسيني، يعزو هذا الكاتب النابه ذو الميول اليسارية اسباب هذا الانهيار المفاجيء الى شيء آخر لا علاقة له بالنظرية العلمية للاشتراكية يقول روبرت بيل “ان انهيار النظام السوفيتي المفاجيء كان مرده في الواقع ليس الى قناعة فكرية بدور السوق بل الى مصالح النخب التي تتخذ القرارات فعلاً.. كان التغيير مفاجئاً لوجود نقطة انقلاب عندما تحوّل البيروقراطيون فجأة من محاولة الحفاظ على النظام الى المحافظة على موقعهم المتمترس في نظام جديد”. (روبرت بيل، المرجع السابق ص 131)
رأي سديد –كما اتصور- يمتلكه هذا الكاتب والمحلل الاستراتيجي والتي لا يخفي ميوله الماركسية، ولكنه رغم هذه الميول كان ناقداً نابها للتناقضات التي وقع فيها القادة السوفييت، مما أدى الى هذه النهاية.
لم يكن الكثيرون من هؤلاء مخلصين للاشتراكية في بلادهم. أرادوا منافسة “الرأسمالية” في كثير من الزهو والغرور، دون التفات الى التخطيط الواقعي ومخاطر المستقبل. اما النتيجة، فهذا الانهيار المدوي الذي عصف بنظام كان نِدّاً للنظام الرأسمالي حافظ على “التوازن الدولي” سنين طويلة.
في دراسته التحليلية يقول بيل: “لم يكن بالامكان الحفاظ على النجاح الذي احرزه الاتحاد السوفييتي مع حلول ستينات القرن العشرين، انعكست العلاقة فاصبحت الرأسمالية ديناميكية نسبياً، بينما الاقتصاد السوفييتي كان يملك قدرات انتاجية فائضة، وبدأ في الركود. كان بامكانه التستر على التناقضات الى حين يتحول ما كان في الواقع ضعفاً اقتصادياً الى فضيلة، لا سيما الانتاج الهائل من الصُّلب”. (المرجع السابق ص 128)
إلى ماذا ادى ذلك؟ أدى إلى “أزمة تراكم حقيقية في الفائض” ففي فترة 1979-1982، قام الاتحاد السوفيتي بصهر صُلب أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية مرتين. كل هذا أدى “إلى تقويض نجاح الاتحاد السوفييتي في منافسته للرأسمالية، لأنه استوعب موارد اقتصادية كثيرة جداً” (المرجع السابق ص 127).
لقد أراد الاتحاد السوفييتي آنذاك أن يتغلب على الرأسمالية في لعبتها الخاصة. وفي صراعه التنافسي –وكما يقول مؤلف الكتاب- “وجد نفسه أسير طريقة واحدة في إدراك نموذجه الداخلي الذي كان ينطلق في الأساس من فعل الشيء ذاته الذي تفعله الرأسمالية، ولكن بطريقة أفضل”. (المرجع السابق ص 123)
أما المحصلة، فكانت “ضياع المحتوى النوعي للاشتراكية”. وليس سراً ان خبراء النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة لعبوا بمهارة على هذه “التناقضات” السوفيتية!
وفي هذا الصدد يقول روبرت بيل في كتابه: “وهذا يطرح الاحتمال بأن الرأسمالية الدولية كانت تتلاعب عن وعي طيلة الوقت بالنظام السوفييتي”. ويضيف قائلاً: “وقد تبعت عروض أمريكا بتخفيف حدة التوتر خطة استراتيجية غاية في الالتواء”. (المرجع السابق ص 126)
ماذا فعلت أمريكا؟
“أحيت المخاوف الصينية “الشقيق” للاتحاد السوفييتي بأن ثمة صفقات بين الغرباء الغربيين (اي الرجال البيض) على حساب الصينيين!. أدى ذلك الى زيادة عدم ثقة الصين بشقيقها! على كل حال، يمكن ان يقال هنا ان السوفييت بددوا مواردهم الاقتصادية على حساب اولويات اخرى. “ففي ثمانينات القرن العشرين كان لدى البلدان الاشتراكية 14 ضعفاً مما كان لديها من الانتاج الصناعي في خمسينات القرن العشرين، بينما كان لدى البلدان الرأسمالية 3.8 ضعفاً فقط”! (المرجع السابق 128)
وهنا ينتقد روبرت بيل “النموذج السوفييتي قائلاً: “لو كان النموذج السوفييتي تنموياً بالمعنى الكامل، لما كان فقط جيداً في انجاز مهام مرحلة محددة من التصنيع، بل لتوفرت لديه القدرة ايضاً على تغيير وجهته عندما تقتضي الحاجة”. (المرجع السابق ص 129)
وهذا ما لم يحدث! أراد النموذج السوفييتي المنهار “ان يتفوق على الرأسمالية في تقدم عملية التنمية، مع التغلب على قصورها، بدلاً من تطوير تحد نوعي لمجمل اندفاع التنمية الرأسمالية ونفيها بالمعنى الديالكتيكي”. (المرجع السابق ص 129)
كان النظام السوفييتي وهو يقارب “الاصلاح” يقف –كما لاحظ الكاتب “على أرضية الاستهلاك التقليدي الضيقة، حيث لم يكن بإمكانها من التنافس مع الرأسمالية”. ركز النظام السوفييتي على “الصناعة الثقيلة” وتناسى صناعات أخرى تكنولوجية!
أعود فأقول إن مصالح “النُّخب” في النظام السوفييتي هي “التي كانت تتخذ القرارات فعلاً”!
وفي أواخر عمره اندفعت هذه “النخب البيروقراطية” على نحو متسارع “في دفع الأمور في اتجاه السوق”. مصلحة هذه النخب تغلبت في النهاية على مصلحة التجربة الاشتراكية!.
هوس “السوق” أغراهم لانهم اصلاً لم يكونوا مقتنعين بِ”الاشتراكية”!. انهارت هذه “التجربة الاشتراكية” لان النخب الحاكمة اصابها غرور العظمة والسلطة فتجاهلت ان “الرأسمالية” لن تسلم لها قيادة النظام العالمي الجديد بسهولة، فهي رغم ما فيها من “تناقضات” قادرة ان “تتطور”. وهذا ما لم يدركه القادة السوفييت، فقد اعتقدوا أن تجربتهم هي التي ستنتصر مع انهم لم يتهيأوا لمثل هذا الانتصار! “لم يطوروا تحدياً نوعياً لاندفاع التنمية الراسمالية ونفيها ديالكتيكيا”!
يبقى ان اقول ان العيب هو انهم لم ينجحوا في “الاصلاح البنيوي” لمجتمعهم. خذلوا “الاشتراكية” التي كانوا يزعمون انهم حُماتها. انفاقهم الهائل على الصناعات الثقيلة مع التقصير في تلبية احتياجات الجماهير الاساسية ادى الى فشل النموذج السوفييتي. وقبل كل هذا وذاك “مركزية” القرار التي تولتها نخب همها “المحافظة على موقعها المتمترس في نظام جديد”.
يوسف عبدالله محمود

كاتب من الاردن

وسوم :