الإسلام دين السماحة..والنبي محمد مبعوث الرحمة والإنسانية / 11

بقلم : عبود مزهر الكرخي

ونستمر في الاحاطة بمعنى الحكمة والتي هي معناها واسع ولكن نحاول ان نحيط قدر الإمكان بهذا الكلمة السامية في كل معانيها.
فالحكمة : هي اللين في توجيه الخطاب حيث قول الخليل إبراهيم في القرآن يا آبت، ويكمل الحبيب صلي الله عليه وسلم لقومه فيقول { ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ َفِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ }(1).
ولهذا حيث قول الحبيب إلا المودة في القربى أي يا أقاربي. ونسأل من هو أقارب نبي الرحمة محمد(ص)؟ لنبادر ونقول التي أغلب التفاسير تشير بأنهم أهل بيت النبوة وذريته من فاطمة الزهراء(ع) والأمام علي(ع)والذرية الطاهرة من نسلهما والتي طلب اللين والمودة اليهم لأنهم أهل بيت الحكمة ومعدن الرسالة ومهبط الوحي. ولهذا كانت معنى الحكمة في أحد جوانبها هو اللين والحلم وعدم الفظاظة والقسوة بل الرحمة التي أتصف بها الرسول الأعظم محمد(ص) وكذلك الرسالة الإسلامية التي بعثها الله سبحانه وتعالى إلى عباده وعلى صدر الحبيب المصطفى (ص)وكانت كل الدعوة الإسلامية هي دعوة أقناع وتخيير في القبول بالدين الحق وترك الباطل وليس كما يشاع أنه قام بحد السيف وبالإكراه وهذا ما لا تقره الرسالة المحمدية ونبيه الأكرم (ص).
ومن هنا يصف الأمام علي(ع) أخيه وابن عمه بوصف طويل ودقيق نأخذ ما يخص بحثنا فيقول { وكان حبيبي محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أَرحم النّاس بالنّاس، كان لليتيم كالأب الرّحيم، والأرملة كالزّوج الكريم, وكان محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أشجع النّاس قلباً، وأبذله كفّاً، وأصبحه وجهاً، وأطيبه ريحاً ، وأكرمه حسباً، لم يكن مثله ولا مثل أهل بيته في الأوّلين والآخرين…. كان لباسه العباء ، وطعامه خبز الشّعير ، ووسادته الأدمَ محشوّة بليف النّخل، سريره اُمّ غيلان مزمّل بالشريط,… يا أهل الكتاب كان حبيبي محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يعقل البعير، ويعلف النّاضّح، ويحلب الشاة، ويرقع الثّوب ويخصف النّعل }(2).
وهذه الشمائل المحمدية هي صفات خصها الله جل وعلا نبيه وحبيبه عن باقي البشر اجمعين وهي صفات إلهية وهبها سبحانه وتعالى ليكون قدوة وأسوة حسنة لعباده وفي تبليغ الرسالة السماوية وهي التي تدخل إلى الحكمة ومن أوسع أبوابها. ليكون نبي الإنسانية محمد(ص) هو مدينة العلم والحكمة وبابها وصيه وخليفته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع), و لأن العلم والحكمة هي مقترنة مع بعضها وأحد أهم أبواب العلم هي الحكمة و لقول رسول الله (ص) : { أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد الحكمة فليأت الباب }(3).
ولهذا كان لابد من أن الدعوة إلى سبيل الله سبحانه وتعالى لا تتحقق إلا بتحقيق خصلتين مهمتين : الأولى الحكمة وهي خصلة محمودة قد فصلنا بعضاً منها، والثانية : الموعظة والتي وصفت بالحسنة.
الموعظة الحسنة :
وهي الشطر الثاني من الدعوة في الرسالة المحمدية ، معنى جملة : الموعظة الحسنة أي كلام الوعظ والإرشاد، والموعظة : توضيح لعظم الأجر ومضاعفة الحسنات لمن يفعل الحسنة
ووصفها بالحسنة، لأن منها ما ليس بحسن، ويجب اجتناب الجدال، وإن كان لا بد منه، فلا يرخص إلا في جدال بالتي هي أحسن. ويفسر الفقهاء واللغويين هذه الكلمتين بأنها : الموعظة: توضيح أصل أصيل من العبادة وهو التوحيد، الجدال بالحسنى: استخدام التخيير كوسيلة للإقناع، ولهذا كانت الحكمة والمرتبطة مع الموعظة الحسنة هي الحكمة: اللين في توجيه الخطاب في، ولهذا كانت دعوة الأنبياء كلعا تتسم باللين والرفق ودعوة الناس بالموعظة الحسنة قال يوسف عليه السلام لصاحبيه في السجن في الآيتين { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ* مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }(4)، (5).
قوله عليه السلام يا صاحبي للدلالة على الرفق واللين. وكذلك مع باقي الأنبياء ومنهم رسول الرحمة محمد(ص)الذي خلقه الله ليكون ارحم الناس بالمؤمنين والذي أرسله رحمة للعالمين ولقد جاءت الآية الكريمة في القرآن الكريم لتوضح ذلك فتقول {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(6).
ولهذا كانت الرأفة بالمؤمنين وعلى الكافرين وحتى على أعداؤه هي الصفة الغالبة على سلوكيات نبي الرحمة محمد(ص). ولهذا جاء في الأثر أنه عن معنى الموعظة بأنها : هي تذكير الناس بأيام الله، أي قصص الأمم الماضية التي أثابها أو عذّبها، وتذكير الناس كذلك بالموت وباليوم الآخر وسائر تفاصيله، وهذا الوعظ قد ينكر منه إذا غلب عليه الإنذار إلى حد يدخل الناس في اليأس والقنوط من ربهم، فيجب تجنبه، ويسمى الموعظة السيئة، وكتاب الله عز وجل حافل بالتذكير أيام الله تعالى والموت والبعث والحشر والنشر والجنة والنار.
” ولهذا كان لا يعرف الإسلام التشدد في أي من تعاليمه، أو توجيهاته، كما أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أتى بالحنفية السمحة، ولذلك كانت الموعظة الحسنة هى جزء من رسالة الإسلام، فلا يجوز التشدد فى وعظ الناس أو توجيههم، ولنا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة. وكما قال: معاوية بن الحكم السلمي(رضي الله عنه):» والله ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أرفق منه ولا أحسن منه تعليمًا “(7).
ولهذا كانت المواعظ عند الرسول الأعظم محمد(ص)ووصيه الأمام علي(ع)كثيرة ولا تعد ولا تحصى، ومن هنا كانت المواعظ في (نهج البلاغة)تعتبر من أكبر الأبواب وأوسعها والتي كانت تقترب من النصف من مجموعه تقريباً، ولذلك فقد اشتهر هذا الكتاب بهذا الباب أكثر من سائر الأبواب وهو باب الحكمة والموعظة الحسنة في نهـــج الـبـلاغـة)، وإذا تجاوزنا مواعظ القرآن الكريم والرسول العظيم (صلّى الله عليه وآله)، والتي تعد كأصول لمواعظ نهج البلاغة، كانت المواعظ في هذا الكتاب ممّا لا نظير له في غيره. والملفت للنظر أنه بالرغم من تجاوز هذه المواعظ أكثر من الف عام فأنها لاتزال تقوم بدورها الخلاق وتؤثر تأثيرها الواضح في العقول والقلوب والبصائر فيهزها وفي العواطف والأحاسيس لتترجم على شكل دموع في العيون وحتى في القلوب. ولتبقى هذه المواعظ باقية على مر السنين والدهور ما بقيت الإنسانية تتنفس نفس النسيم وتعرف معاني الحروف والكلمات.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
1 ـ [ الشورى : 23 ].
2 ـ تاريخ دمشق ج 54 ص 197 الرقم 6734، الغدير ج 10 ص 7.
3 ـ راجع حديث رسول الله المتواتر الذي يقول { أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب }. ومصادره لاتعد ولاتحصى منها : الموفق الخوارزمي – المناقب. الجزء : ( 1 ) – رقم الصفحة : ( 82 ). ابن كثير – البداية والنهاية – سنة أربعين من الهجرة النبوية. باب ذكر شيء من فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ر) – حديث الصدقة بالخاتم وهو راكع. الجزء : ( 11 ) – رقم الصفحة : ( 96 ). الطبراني – المعجم الكبير – باب العين – مجاهد ، عن ابن عباس. الجزء : ( 11 ) – رقم الصفحة : ( 65 ). بن عبد البر – الاستيعاب في معرفة الأصحاب – تتمة حرف العين – باب علي. 1855 – علي بن أبي طالب (ر) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصي القرشي الهاشمي. الجزء : ( 3 ) – رقم الصفحة : ( 1102 ). ابن الأثير – أسد الغابة في معرفة الصحابة – حرف العين . باب العين واللام – 3789 – علي بن أبي طالب. الجزء : ( 4 ) – رقم الصفحة : ( 87 )وعدد الروايات 16…الخ. بن أبي الحديد – شرح نهج البلاغة. الجزء : ( 7 ، 9 ) – رقم الصفحة : ( 219 ، 165 ).
4 ـ [ يوسف 39 ، 40 ].
5 ـ مأخوذة من تفسير من موقع المعاني لكل سؤال جواب. سؤال (معنى جملة : الموعظة الحسنة أي كلام الوعظ والإرشاد). سئل يونيو 29، 2011معاني كلمات وجمل عربية. الرابط : https://www.almaany.com/answers/62325/%D9%85%D8%A7-%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D8%AC%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B9%D8%B8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%86%D8%A9
6 ـ [التوبة : 128].
7 ـ من مقال في جريدة روز اليوسف. بعنوان(الموعظة الحسنة). باب رسائل إيمانية. صائمون وموحدون. منشور بتاريخ الخميس 13 مايو 2021

وسوم :