ثورة العشرين … تنوع ووحدة هدف .

محمد حسن الساعدي

أشارت الكثير من الدراسات التي تناولت ظروف ثورة العشرين الخالدة للفترة ما بين (1918-1920) والبيانات التي صدرت آنذاك وكذلك الصحف المحلية التي غطت الأحداث وخلصت إلى إن الهدف الرئيس من وراء هذه الثورة ضد الاحتلال الانكليزي كانت هو الاستقلال والحرية، والتخلص من السيطرة البريطانية،وإقامة الدولة العراقية المستقلة،والملفت للنظر في هذه الثورة مشاركة مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية خصوصاً العشائر التي كان لها الدور المهم والبارز،إلى جانب علماء الدين ومراجع النجف الاشرف آنذاك،حيث برز لأول مرة في تاريخ العراق وتجلى ذلك من خلال التأثير المباشر على شيوخ العشائر وتوحيد كلمتهم وجمع شملهم حول مطالبهم المشروعة،وبدلاً من الاستجابة لمطالب الشعب العراقي، ومراعاة لهذه المطالب في الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية، أصدرت الأمم المتحدة قراراً مجحفاً أثناء انعقاد مؤتمر سان ريمو بتاريخ 25/4/1920 والذي وضع العراق تحت الانتداب البريطاني، حيث كان هذا القرار بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير،وفجرت الثورة في يونيو من نفس العام، وعلى أثرها أصدر الزعيم الديني محمد تقي الشيرازي أحد قادة الثورة البارزين آنذاك نداء أُعتبر بمثابة فتوى دينية وقرار سياسي موجه إلى أبناء الشعب العراقي يدعوه فيه إلى النضال وتأييد المقاومة المتصاعدة ضد المحتلين الانكليز .

العامل الإعلامي كان مهماً في تحريك وتوعية المجتمع آنذاك، والذي كان يعد المرآة العاكسة لواقع المجتمع العراقي الذي يواجه مشكلات سياسية، حيث كانت الصحافة العراقية تمارس دوراً يندد بالهيمنة الاستعمارية البريطانية إلى جانب أن الصحافة العراقية لعبت دوراً مهماً في توجيه الرأي العام العراقي،وبلورة أهداف الحركة الوطنية ومهماتها،فقد تأسس في ذلك الوقت جريدتان هما (الفرات،الاستقلال) والتي لم يستمر العمل والنشر بهما طويلاً بسبب المضايقات التي تعرض لها الكادر الصحفي فيها من قبل سلطات الاحتلال، حيث كانت هاتان الجريدتان شوكة في عيون الاستعمار، ولسان حال الثوار وكانت منبراً لبعض قيادات الثورة، والذين كانوا يسلطون الضوء على معاناة الشعب العراقي، فاضحين نوايا البريطانيين السياسية والاقتصادية في العراق،والعمل على تعميق الفجوة في داخل المجتمع العراقي والتي كانت تكشف حقيقة نواياهم في تحرير العراق من الاحتلال العثماني،وبين الاحتلال البريطاني .

لقد كانت الثورة العشرينية بمثابة حجر الزاوية التي غيرت مجرى التاريخ العراقي أنها برزت للمشهد ككل الأدوار التي قامت بها كل فئات وطبقات الشعب العراقي، وعلى الرغم من قساوة المستعمر الانكليزي تجاه الشعب العراقي،إلا انه لم يستطع الولوج في حياة العراقيين، فقد كانت غاية الانكليز تحقيق نجاحات اقتصادية سريعة على حساب شعوب المنطقة،والنجاح على أكتاف هذه الشعوب ومنها الشعب العراقي.

لقد كانت ثورة العشرين ذات أبعاد سياسية مهمة إلى جانب كونها تجربة غنية عبرت عن تلاحم الشعب العراقي في مواجهة الاحتلال،واستعداد الجماهير للقتال في سبيل الأهداف التي تسعى لها،كما أنها عكست الأهداف المشتركة التي تجمع أبناء الشعب العراقي في خلاصهم من المحتل الأجنبي ،وأشعرت المجتمع العراقي الإحساس بالكيان الواحد والذي لم يكن واضحاً في فترة الحكم العثماني،حيث تضافرت الجهود جميعها ومن مختلف التوجهات القومية والدينية في هذه الثورة،والنضال من أجل الاستقلال والحرية والسيادة الوطنية،وأزداد هذا الإحساس قوة أكثر فأكثر في الفترة التي أعقبت قيام الدولة العراقية،وأوجدت القدرة والاستعداد لدى الشعب العراقي في خوض النضال من أجل حقوقه المشروعة ، وفي مختلف الأزمنة والميادين .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط

وسوم :