أفغانستان على موعد مع الحرب الأهلية.. والدول المجاورة ستتضرر

سيؤدي الانسحاب السريع للقوات الأجنبية من أفغانستان، إلى جانب المكاسب الإقليمية الأخيرة لطالبان، إلى خلق صراع على السلطة بين طالبان والحكومة الأفغانية من المرجح أن يتسبب في حرب أهلية ويزيد من تدهور البيئة الأمنية الإقليمية.

وأصبح الموعد النهائي لانسحاب القوات الأمريكية في 11 سبتمبر/أيلول، والذي أعلنه الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، جدولا زمنيا رمزيا. وعلى الأرض، غادر أكثر من نصف القوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي “الناتو” أفغانستان، وتشير التقارير إلى أن القوات المتبقية ستغادر البلاد في أقرب وقت خلال أسبوع.

وفي استفادة من هذه الفرصة الاستراتيجية حيث أصبحت القوات الأفغانية هي المسؤولة الوحيدة عن أمن البلاد، شنت طالبان حملة هجومية للسيطرة على الأراضي، منذ 1 مايو/أيار عندما بدأت القوات الأجنبية الانسحاب من البلاد. وسيطرت طالبان منذ ذلك الحين على 157 منطقة من أصل 407 منطقة في أفغانستان.

وفي 29 يونيو/حزيران، شن مقاتلو طالبان هجوما على مدينة “غزنة” الحساسة على طول الطريق السريع الذي يربط كابول بإقليم قندهار الجنوبي. وإذا تمكنت طالبان من السيطرة على المدينة، فسيكون ذلك بمثابة مكسب إقليمي رئيسي ثانٍ من خلال قطع الحركة من وإلى الجنوب إلى كابول.

وكان المكسب الإقليمي الأول في 21 يونيو/حزيران عندما تم الاستيلاء على “دوشي”، وهي مركز الطريق الوحيد الذي يربط كابول بالأجزاء الشمالية من البلاد.

وتسيطر طالبان أيضا على نقاط التفتيش في ولاية “قندوز” الشمالية المتاخمة لطاجيكستان، ما يمنحها السيطرة على طريق تجاري رئيسي إلى آسيا الوسطى.

وبصرف النظر عن الاستفادة الميدانية من توسيع النفوذ على الأرض، فإن المكاسب الإقليمية تمنح طالبان أوراق مساومة استراتيجية لكسب المزيد من النفوذ في المفاوضات المستقبلية مع الحكومة الأفغانية.

وتعتمد قوات الأمن الأفغانية على المقاولين الذين تمولهم الولايات المتحدة لإصلاح وصيانة أسطولها من الطائرات والعربات المدرعة وغيرها من المعدات، لكن هؤلاء المقاولين سيغادرون أيضا قريبا كجزء من الانسحاب الأمريكي، ما يجعل القوات الأفغانية غير قادرة على الاحتفاظ بالعشرات من الطائرات المقاتلة وطائرات الشحن والمروحيات والطائرات بدون طيار لأكثر من بضعة أشهر أخرى.

ويمكن أن يؤدي هذا إلى تقييد القوات الجوية الأفغانية، وهي الميزة الرئيسية لكابول ضد طالبان لما لها من دور في دعم العمليات البرية، وهي قدرة تفتقر إليها طالبان.

وهناك أيضا نقص في التنسيق على الأرض بسبب القيادة السياسية غير الفعالة في كابول. وبسبب ضعف معنوياتهم نتيجة الموارد المحدودة وانسحاب القوات الأمريكية وتدني الرواتب وانتشار الفساد الحكومي، قام الجنود الأفغان بتسليم مراكز المقاطعات وترك القواعد العسكرية والاستسلام لطالبان.

وسلّم مقاتلو طالبان أسلحتهم ومركباتهم ومواد حربية أخرى بدون قتال بسبب نقص الأعداد والمعدات أيضا. كما أدى هجوم طالبان في المقاطعات الشمالية إلى الضغط على القوات الأفغانية في مناطق واسعة، ما أدى إلى إضعافها.

ومن المرجح أن يؤدي تدهور الوضع الأمني ​​في أفغانستان إلى اندلاع حرب أهلية فوضوية في أقل من 6 أشهر بعد انسحاب القوات الأجنبية. وفي محاولة التغلب على عدم قدرتها على تنسيق رد عسكري فعال، أطلقت الحكومة الأفغانية مؤخرا حملة “حشد وطني” لتسليح المدنيين ودعم الميليشيات المحلية لمواجهة طالبان.

لكن من المرجح أن طالبان ستهزم الميليشيات المحلية بسهولة بسبب افتقارها النسبي إلى التدريب والمعدات العسكرية. ونظرا للتاريخ الطويل للميليشيات الأفغانية في تغيير الولاءات والصراعات على السلطة والنزاعات الإقليمية، ليس هناك أيضا ما يضمن أن الجماعات المسلحة المحلية لن تستخدم الأسلحة الجديدة للقتال ضد بعضها البعض بدلا من طالبان، ما يزيد من العنف والاضطراب بين الطوائف.

وترتبط هذه المنظمات المسلحة نظريا بالحكومة الأفغانية، لكن لديها القدرة على زيادة تقسيم الدولة التي مزقتها الحرب على أسس عرقية وبالتالي تعزيز حركة طالبان بشكل غير مباشر، ما يؤدي إلى حرب متعددة الجبهات والأحزاب بين طالبان والحكومة الأفغانية والميليشيات المحلية.

وقدم أمراء الحرب الذين يقودون الميليشيات الحماية للأقليات العرقية التي غالبا ما تستهدفها طالبان. لكن في حين أن الميليشيات هذه ساعدت مؤقتا القوات الحكومية في قتالها ضد طالبان في العديد من المناطق الشمالية، فقد عززت أيضا إقطاعيات أمراء الحرب، ما أدى إلى تآكل سلطة الحكومة في كابول، وهو ما يمكن أن يدوم لفترة أطول من الصراع الحالي.

ويمكن أن يصبح شمال أفغانستان ساحة قتال بين طالبان والجماعات غير البشتونية المكونة من أقليات عرقية مثل الطاجيك والأوزبك. ومن شأن هذا العنف أن يزيد من زعزعة استقرار البلاد وقد يؤدي إلى هجرات وأزمات لاجئين في دول آسيا الوسطى.

ويمكن أن يصبح جنوب أفغانستان، الذي تسكنه أغلبية من البشتون، قاعدة لمقاتلي “القاعدة” و”الدولة الإسلامية”، حيث سيكون لديهم حرية تشغيلية أكبر بكثير للقيام بمجموعة من الأنشطة، بما في ذلك التجنيد والتدريب والتخطيط للهجوم.

كما أن اضطراب أفغانستان بشكل متزايد من شأنه أن يعرض أمن البلدان المجاورة للخطر من خلال توفير أرض تدريب خصبة للجماعات المسلحة الإقليمية.

وفي الأشهر المقبلة، خاصة بعد أن تكمل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي “الناتو” انسحاب قواتهما، ربما تقع المدن الكبرى أيضا في أيدي طالبان. وقد تؤدي مكاسب طالبان هذه إلى اندلاع أزمة إنسانية إقليمية يصعب معالجتها وسط أعمال العنف.
كما يمكن أن يؤدي الفراغ الأمني ​​وازدياد قوة طالبان إلى إحياء معسكرات التدريب لـ”الجماعات الإرهابية” المختلفة في المناطق النائية في أفغانستان، ما يعرض أمن المنطقة بأكملها للخطر. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لـ”المنظمات الإرهابية” الدولية والإقليمية الحشد والعمل انطلاقا من المنطقة لتهديد أمن جنوب ووسط آسيا. ويمكن لوجود موطئ قدم قوي في أفغانستان أن يمكّن “القاعدة” و”الدولة الإسلامية” من التخطيط لعمليات ضد الغرب أيضا.

ويمكن أن تقوم طالبان باكستان، المتمركزة في المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان، أن تكثف الهجمات ضد باكستان، والتي بدورها يمكن أن تستفز إسلام أباد لزيادة تدخلها في أفغانستان. وهناك 5 آلاف مقاتل من حركة طالبان باكستان في تلك المنطقة الحدودية، ما يشير إلى أن المجموعة مستعدة للاستفادة من زيادة سيطرة طالبان في أفغانستان.

وسيكون لـ”الجماعات الإرهابية” التي تعمل ضد الهند، مثل “جيش محمد”، عمق استراتيجي أكبر لتنفيذ هجماتها في المنطقة بسبب صلاتها مع طالبان. ويمكن تدفع الهجمات الهند إلى التدخل ضد هذه الجماعات في باكستان وأفغانستان أيضا.

وقد يعاود تنظيم “القاعدة” العمل في أفغانستان بمجرد سيطرة طالبان التي يقال إنها تحتفظ بعلاقات وثيقة معها. ولا يمكن أيضا استبعاد عودة ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” في أفغانستان، حيث أثبت التنظيم قدرته على الصمود وأكد مستوى معينا من الوجود والسيطرة في الأجزاء الجنوبية من البلاد. وسيشكل هذان التطوران زيادة كبيرة في “التهديد الإرهابي” للغرب.

وسوم :