هايتي المنكوبة.. ثنائية الفقر والديكتاتورية

مسكينة هايتي، بلد العصابات، ليس فقط لأن رئيسها جوفينيل مويز اغتيل مؤخراً داخل منزله، بل أيضا لأن أيام شعبها معلقة على حبال الفقر والزلازل والأعاصير وغياب مزمن للأمن والفساد والجريمة والديكتاتورية التي جعلت منها أحد أفقر بلدان العالم، وبخاصة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، والأدهى أن هايتي التي لم تبدأ بعد حملة تطعيم ضد كورونا، تعاني انكماشاً اقتصادياً بنسبة 3.8 بالمئة، وهو وضع يهدد بزعزعة استقرارها الهش أصلاً.
لا شك أن فترة ولاية الرئيس المغدور كانت عاصفة، ولم تعرف الهدوء مطلقاً؛ فبالإضافة إلى الأزمة السياسية المعقدة، تزايدت عمليات الخطف للحصول على فدية في الأشهر القليلة الماضية، في مؤشر جديد على النفوذ المتزايد للعصابات المسلحة في الدولة الكاريبية، وخلال عهده تولى سبعة رؤساء وزراء رئاسة الحكومة خلال أربع سنوات، آخرهم كان جوزيف الذي أعلن وفاة مويز، وكان من المفترض تغييره هذا الأسبوع بعد ثلاثة أشهر في المنصب، ومن اللافت، أن موقف واشنطن من خاصرتها الجنوبية كان مختلفا عن موقفها من انقلاب ماينمار، بل بدا معاكسا تماما؛ فقد دعم الأمريكيون الرئيس المغتال والمتهم بتمديد ولايته بشكل غير قانوني.
يعاني 4 ملايين هايتي، من بين حوالي 11.5 مليون نسمة، من انعدام الأمن الغذائي، ما أجبر خمس السكان، أي حوالي مليوني شخص، على الهجرة، وقد أدت ضراوة ظاهرة الزلازل إلى تدمير معظم البنية التحتية مما ضخم مأساة الهايتيين، إذ بلغت الأضرار الاقتصادية خلال العقد الماضي خسارة 7.9 مليار دولار، ما يمثل 120٪ من الناتج المحلي الإجمالي للدولة، بالإضافة إلى ذلك، أصبح 1.5 مليون شخص بلا مأوى.
تميزت ولاية مويز باحتجاجات اجتماعية، لا سيما في عام 2019 ، حيث شل الآلاف من الناس عمليا جميع أنشطة المؤسسات العامة والخاصة في البلاد، وكانت الاحتجاجات مدفوعة بالاضطرابات الاقتصادية وفضيحة فساد لمسؤولين حكوميين اختلسوا 3.8 مليار دولار من المساعدات من بيترو كاريبى، وهو برنامج للمساعدة النفطية، والحقيقة أنه منذ تولي مويز السلطة، واتهامات الفساد تلاحقه، ولم تفشل حكومته فقط في حماية السكان من العنف، ولكنها أيضًا كانت متواطئة في أعمال عنف، وقد تم استجوابه بشدة بشأن قمع الاحتجاجات ضده وعجزه في احتواء الجريمة وعمليات الخطف التي زادت أكثر من 200٪ خلال فترة حكمه.
للفساد دورًا كبيرًا فيما حدث في هايتي من فقر، فقد تعاقبت الديكتاتوريات بين عامي 1843 و1915، إذ حكمها 22 رئيسًا انتهى حكمهم بالقتل أو الانقلاب عليهم، وتسللت المحسوبية واختلاس الأموال، حتى أنها لشدة ما شهدته من اضطرابات سياسية وعدم استقرار على مر تاريخها، غيّرت علمها تسع مرات، أغلبها تلوّن فيها علم البلاد بألوان أعلام دول مستعمرة، مثل فرنسا وإسبانيا، ولكن العامل الحاسم للفقر في هايتي هو إزالة الغابات، فقد دُمر أكثر من 98% من الغابات تدميرًا تدريجيًّا لإنتاج الفحم، مما ساهم في تآكل التربة والتصحر وفقدان الأرض لقدرتها الإنتاجية، فضلًا عن أن كون سكانها «عبيدًا سودًا» جعل الدول الأخرى تتدخل في شؤونها وتشكك في قدرة سكانها على الحكم الذاتي.
د. خالد رمضان عبد اللطيف

خبير دولي متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

وسوم :