الإمام الباقر بين الأرض والملكوت

د.أمل الأسدي

كان الجو حارا ،والشمس بدت أكثر قربا إلی الأرض،وهذا السيد الجليل وعلی الرغم من كبر سنه مازال يعمل في بستانه،العرق يتصبب من جبهته،والتعب غزا جسده،إنه الشاكر الهادي(الإمام محمد الباقر) وفي هذه الأثناء مرّ الرجل المتصوف(ابن المكندر) نظر إلی الإمام وحاور نفسه:شيخ قرشي يطلب الدنيا في هذا الجو الحار؟ والله لأعظنه!!
فدنا من الإمام وقال له:أصلحك الله ، شيخاً من أشياخ قريش في هذه الساعة في طلب الدنيا،كيف لو جاءك الموت وأنت على هذه الحالة ؟!
فأجابه الإمام: لو جاءني – والله – الموت وأنا على هذه الحال ، جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله،أكفّ بها نفسي عنك وعن الناس ، وإنّما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله .
فقال ابن المكندر: يرحمك الله، أردتُ أن أعظك فوعظتني!!

كان الإمام يحب العمل ويفضله،وكان يجلس مع الفلاحين ويشاركهم الطعام والشراب،ثم يجمع ريع بساتينه فيوزعه علی الفقراء والمساكين، فسعة علمه، وغزارته،ومسؤولية نشره لم تثنه يوما عن عمله!!

منزله كان مفتوحا للغريب والقريب،يُذكر أن رجلا من الشام كان يتردد علی الإمام الباقر ويقول له: أنا أبغضكم،ولايوجد أحد في هذه الدنيا أبغض إليّ منكم؛ولكني أراك رجلا فصيحا،لكَ أدب وحسن لفظ،وإنّ حضوري مجلسك هو لحسن أدبك!!
مرت الأيام وغاب الرجل الشامي،فافتقده الإمام،سأل عنه،فقيل له: إنه مريض!!
فذهب لعيادته والسؤال عنه،وأوصاه بأكل الأطعمة الباردة،وبعد أن شُفي الرجل،أسرع إلی مجلس الإمام الباقر وقدم اعتذاره وصار من أصحابه!
هكذا هم خلفاء الله في الأرض، يتفاعلون مع الحياة، يتفاعلون مع الناس،يتواصلون معهم،يشاركونهم همومهم وأفراحهم وقضايهم،ينصحون ويرشدون ويمدحون الصالح،فقد قال الإمام الباقر لصاحبه وتلميذه(أبان بن تغلب): اجلس في مسجد المدينة وَافْتِ الناس فإنّي أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك.
وكان( عليه السلام) كلما رأی الكميت بن زيد الأسدي(الشاعر) قال له:اللهم اغفر للكميت .

هذا التفاعل مع الناس وقضاياهم مع ما يمتلكه الإمام من علوم ومعارف،جعله مصدر قلق للسلطة الأموية، وستبقی السلطات الغاصبة علی مر العصور تخاف من خط الإمامة،حتی وإن لم يكن لرجال هذا الخط نشاط سياسي!! فتفاعلهم مع الناس وإمامتهم وعلمهم،وهيمنتهم علی القلوب،تجعلهم عنصرا مُقلقا لرجال السلطة المستحوذين،المتشبثين بالدنيا،الظالمين،المصادرين لحريات الناس وحقوقهم!!
وعلی هذا استدعی (هشام بن عبد المللك) الخليفة الأموي (الإمام الباقر والإمام الصادق) إلی الشام،ليستعرض ملكه وعرشه أمامهما!! ولما دخلا عليه أراد أن يجعل الإمام في موقف السخرية والتعريض،فجمع خاصته وكبار القوم،وأعدّ مسابقة للرماية،فطلب من الإمام الباقر أن يرمي،فأجابه:إني قد كبرت عن الرمي فاعفني .
رفض هشام وأصرّ على الإمام، وأشار إلى شيخ من بني أمية أن يناوله القوس، فأخذه الإمام وتناول سهماً فوضعه فيه وسدّد نحو الهدف فأصاب مركزه ، ثم تناول الثاني فأصاب المركز مرّة أخرى . . حتى تكاملت تسعة أسهم .
دهش هشام لبراعة الإمام ومهارته الفائقة فهتف : أجدت يا أبا جعفر ، أنت أرمى العرب والعجم . . هذا وأنت تقول : كبرت عن الرمي .
ثم أجلس الإمامَ عن يمينه وقال : يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش مادام فيهم مثلك ، لله درّك ! مَن علّمك هذا الرمي ؟ وفي كم تعلّمته ؟
فقال الإمام : تعلّمته أيام حداثتي ثم تركته .
فقال هشام : ما أظن أن في الأرض أحداً يرمي مثل هذا الرمي . أيرمي جعفر مثل رميك ؟
فقال الإمام : نحن أهل بيت نتوارث الكمال والتمام الذين أنزلهما الله على نبيه (صلى الله عليه وآله ) في قوله تعالى :((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)).
ردُّ الإمام علی هشام بالنص والاستدلال أثار غضبه،فرد علی الإمام رافضا قوله: من أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي ولا أنتم أنبياء ؟
فقال الإمام : ورثناه عن جدّنا علي ( عليه السلام ) وقد قال : علّمني رسول الله ألف باب من العلم . . ينفتح عن كل باب ألفُ باب .
فتفاقم خوف هشام،وتلاطمت أمواج الحقد الأموي،فأرجع الإمام الباقر وولده الصادق(عليهما السلام) إلی المدينة،خوفا من تعلق الناس بهما وإقبالهم عليهما.
كان الإمام الباقر يحمل هموم الناس،ويتابع احتياجاتهم،ويسعی في قضائها،يُذكر أن في زمن عبد الملك بن مروان،قد تعرض المسلمون إلی حصار اقتصادي من الروم،إذ أمر ملكهم بمنع النقود عنهم،ولم يكن للمسلمين حينها علم بضرب السكة،وكانوا يتعاملون بنقد الروم المنقوش عليه الشعار النصراني: الأب والابن وروح القدس.

وظل حينها عبد الملك في حيرة فأشار عليه بعض أصحابه باستشارة الإمام الباقر،بعث في طلبه الی الشام،وحينما وصل الإمام وعُرض عليه الأمر،طلب من عبد الملك أن يرسل الی ملك الروم يستمهله مدة من الزمن،ففعل ذلك.
ثم وجهه الإمام أن يجمع الذهب والفضة من الأقاليم والأمصار، وأن يدعو في هذه الساعة الصناع، ليضربوا سككاً للدراهم والدنانير،ويُنقَش عليها سورة التوحيد،وعلی الوجه الآخر(محمد رسول الله) وحين انتهوا من ذلك مُنِعَ التعامل بالنقد الرومي،وصار التعامل بالنقد الإسلامي.

هكذا كان الإمام الباقر قريبا من الناس،فهو بحق رجل الله ووسيلته،وهو الحلقة التي تصل بين عالم الملكوت الرحمانيّ،وعالم البشر المرحوم،فلم يترك الإمام فرصة إلا وعمل لصالح عامة الناس،حتی حين استدعاه (هشام بن عبد الملك) الی الشام مرة أخری،وكان من عادته أن يستعرض ملكه وسلطته،فيبقي الإمام منتظرا عند أبواب القصر،وفي هذه الأثناء كان جمع من الناس يجلسون منتظرين،فسأل الإمام عن ذلك فقالوا له : إنهم ينتظرون عالِمهم، وهو لا يخرج في العام إلا مرّة فيسألونه ويستفتونه ، فجلس الإمام معهم حتى جاء العالم النصراني ، وعندما رأى النصرانيُّ الإمامَ ( عليه السلام ) سأله : هل أنت منّا أم من هذه الأمة المرحومة ؟
فقال الباقر ( عليه السلام ) : بل مِن الأمة المرحومة .
فقال النصراني : مِن جُهّالها أم علمائها ؟ .
فقال الإمام : لستُ من جُهّالها .
فقال العالم النصراني : لديَّ أسئلة، بدأ يسأله والإمام يرد عليه،حتی دُهش النصراني،فأعلن إسلامه أمام القوم!!

إن هذه المحبة وهذا الحضور،وهذه الإنسانية،وهذا التواصل الذي يتميز به الإمام الباقر،جعل هشام الأحول يتخذ القرار في اغتياله،فأرسل إليه الأمويُّ الخبيثُ السم، فاستشهد عبق الملكوت وهو في سن(57) عام (114هـ) وكان يوم استشهاده يوما رهيبا،إذ خرج الناس لتشييعه والحزن غطی المدينة،صلی عليه ولده الصادق مع شيعته واستقر في مثواه في البقيع،ومازال وجوده الملكوتي يخوِّف السلطات،فلم يبق من مرقده إلا بعض الأحجار ،يظنون أن مكانة الإمام تحددها الأرض والأسوار،ولايدركون أن هدايا الملكوت تتربع في قلوب المحبين.
فسلامٌ علی العابد العامل العالم
“سلامٌ عليك” نبعثها ونحن نحتاج الی علمك وعملك ووجودك بين الناس،فجُد علينا وامنح المشتاق نظرة الموعود!!

ـ الرسم يُظهرُ وفداً من تجَّار خراسان في زيارة إلى الإمام الباقر (في الوسط).

وسوم :