الأكثر مشاهدة

هل ما حصل في تونس انقلاب أو هو اجتهاد وتأويل لنص الدستور؟

 
فوزي بن يونس بن حديد
لأنه قالها الشيخ راشد الغنوشي وبعض السياسيين من الأحزاب الأخرى، ردّد كثير من أنصارهم كلمة “انقلاب” دون تمييز أو تدقيق للكلمة ذاتها، فهي كلمة لها مدلولات عميقة في المفهوم الديني والسياسي لذلك كان ينبغي على السياسيين أن يختاروا الكلمات الدقيقة حتى لا يردّدها أتباعهم دون فهم، ولأن للسياسيين والمثقفين أهدافهم الخاصة فإنهم يستخدمون هذه المصطلحات للتأثير على العامة من الناس، فيظنون أنه فعلا انقلاب وينبغي مواجهته بكل الوسائل والأسباب، وهذا ما حصل لتونس هذه الأيام مع الأسف الشديد، فماذا لو قال الشيخ راشد الغنوشي مثلا تعقيبا على قرارات رئيس الجمهورية إنها قرارات تستجيب لتطلعات الشعب التونسي الذي انتفض وقاد مسيرات في الولايات فماذا سيكون موقف الأتباع، سيهللون ويكبرون الموقف وسيمدحون الرئيس أنه اتخذ القرار الصائب والصحيح، هكذا هم المقلّدون في كل وقت وزمان، هم يسيرون خلف القافلة دون تمحيص وتدقيق ودون تريث أو تثبت فيقعون في سب الآخر وشتمه والاعتداء عليه رغم أنه يدين بدين الإسلام، ورغم أن الدين فسح المجال للاختلاف في غير المسلمات، وأباح الاجتهاد والتأويل في نصوص القرآن الكريم فما بالك بنصوص الدستور البشري.
فانظروا إلى أتباع المذاهب الذين أغلقوا باب الاجتهاد عانوا المرارة والويلات، وانغلقوا على أنفسهم ومشايخهم الذين نهوهم عن استعمال العقل والانفتاح على الآخر مهما كان حتى ولو لم يدن بدين الإسلام ما لم يحدث في هذا الدين ما يوجب العقاب، لم يجدوا جوابا لكل الأحداث وبقوا في دائرة مفرغة من الانغلاق على النفس والوقوع في فخ الشتم والسب واللعن وهذا ليس ديدن أولي الألباب، فالله تعالى منح الناس فسحة لتفسير الحياة وفق الأحداث التي تطرأ على المجتمعات ولم يقيدهم بنوع من الحكم أو السياسة أو النظام، وذلك رحمة من الله كبيرة ومنحة للناس ليبتكروا ما ينفع الناس في سدنهم ودنياهم.
وعودا على بدء فإن كلمة انقلاب وردت في القواميس اللغوية وأشهرها لسان العرب بمعنى التحول إلى الضد وقد جاءت في القرآن الكريم ومشتقاتها في كثير من المواضع منها قوله تعالى: “وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ” وقوله تعالى:” إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ” وهي مفردة لا تستخدم في السياسة إلا إذا كانت تعني مخالفة صريحة للدستور أو وقع تصرف من الجيش أوقف بموجبه رئيس الدولة وأصبح الحاكم الفعلي في البلاد، لكن الذي قام به رئيس الدولة في تونس هو اجتهاد وتأويل لنص من نصوص الدستور التونسي، والفصل الثمانون منحه حق اتخاذ جملة من التدابير الاستثنائية إذا رأى البلاد تتعرض لهجوم داخلي أو خارجي، وفي الحقيقة هو يرى ذلك منذ دخوله قصر قرطاج، فقد كانت تصريحاته دوما تنبه إلى وجود لوبيات ومجموعات تحاول السيطرة على الحكم وإزعاج رئيس الدولة مع عدم وجود صلاحيات كافية للرئيس مما يضعف دوره فيرى البلاد مشلولة وتنهار بين يديه ولا يستطيع أن يفعل شيئا.
ما قام به رئيس الدولة، السيد قيس سعيد ليس انقلابا بالمفهوم التراجيدي للكلمة، وإنما هو اجتهد في النص الدستوري واجتهد في تدبير القرارات التي تتلاءم مع الظروف الحالية بعد استشارة وتيقن من أن الوقت حان للتغيير نحو الأفضل، على أن هذا الاجتهاد إذا كان في حدود الاحترام الكامل للحريات والأمن العام والتعددية فمرحبا به أما إذا كان يرسخ للاستبداد مرة أخرى فلا يمكن أن يكون، لأن الشعب التونسي أصبح اليوم قادرا على التغيير في أي وقت إذا شعر بالتهديد، وكما قلت فإنه تم التلاعب باللفظ حتى أصبح حقيقة عند بعض الناس وهو ما لا ينبغي أن يسود في المجتمعات المتحضرة، لأن السياسيين الذين يملكون من الدهاء والذكاء قسطا وافرا يستطيعون التأثير على العامة بتفسيراتهم الخاطئة.
لكن المتعصبين المقلدين لا يريدون النقاش في الموضوع ما دام قادتهم قد اتخذوا القرار وكأنه كلام نهائي لا يقبل النقاش وهذه هي مصيبة هذه الأمة، فقد بقيت على جهلها وعدم قدرتها على استيعاب الآخر لأنهم حرّموا على أنفسهم الانفتاح على فكره وثقافته وقبول الحق منه حتى لو كان معاديا لأيديولوجيته وفكره وثقافته، إذ كان المهم الإصغاء والتريث إلى ما تؤول إليه هذه القرارات إذا كانت تحارب الفساد وتقض مضاجع الفاسدين وترجع الثروات للبلاد وتحسّن الاقتصاد، وتقضي على البطالة، فلا شيء يأتي فجأة، وإما بالجد والعمل.
كاتب تونسي
abuadam-ajim4135@hotmail.com

وسوم :