الأكثر مشاهدة

أحداث الطارمية مقدمات خطيرة تحتاج لمعالجات جريئة

 
عادل الجبوري ||
 
   لا شك أن أي قراءة أو تقييم للأوضاع الأمنية في منطقة الطارمية التي شهدت في الآونة الأخيرة خروقات مقلقة وخطيرة، كان من بينها استشهاد عدد من مقاتلي الحشد الشعبي بعملية إرهابية نفذتها عصابات “داعش” في المنطقة، تتطلب قدرا من الإحاطة بجملة من الحقائق والمعطيات تتعلق بحغرافيا الطارمية، وطبيعة تركيبتها الديموغرافية، وحجم الاهتمام الذي أولته وتوليه الحكومة لها وطريقة التعاطي مع ملفها الأمني.
  جغرافيًا، تقع الطارمية التي تعد قضاء تابعا للعاصمة بغداد على بعد خمسة وعشرين كيلومترا عنها من جهة الشمال، بينما تبعد حوالي خمسين كيلو مترا الى الجنوب من محافظة صلاح الدين، وتشترك بحدود إدارية مع أربع محافظات هي الانبار وديالى وبغداد وصلاح الدين. وينحدر أغلب سكانها البالغ عددهم ما يقارب التسعين ألف نسمة من قبائل وعشائر مختلفة تنتمي إلى المذهب السني وتشكل امتدادا للهوية الاجتماعية العشائرية في معظم المحافظات والمدن المحيطة بها.
   والطارمية حالها حال مناطق حزام بغداد، شهدت في عام ٢٠١٤ وربما قبل، سيطرة عصابات “داعش” الإرهابية على مساحات واسعة منها بالاستفادة من الواقع الزراعي فيها، بيد أن قوات “الحشد الشعبي” والجيش والتشكيلات الأمنية والعسكرية الأخرى نجحت خلال فترة زمنية قصيرة باستعادة معظم تلك المناطق من قبضة “داعش” وبالتالي تأمين العاصمة وكذلك مدن العتبات المقدسة.
   ولأسباب قد لا تبدو واضحة بالقدر الكافي، لم يتم اطلاق حملات واسعة ومركزة ومكثفة على الطارمية لاجتثاث الارهاب من جذوره هناك، وهذا ما أدى الى بقاء بؤر التوتر وانعدام الامن والاستقرار، وأكثر من ذلك، تحولت المنطقة الى ملاذ آمن للعناصر الارهابية التي تتعرض لضربات قاصمة وملاحقات متواصلة في مناطق أخرى، حتى نجحت تلك العناصر في اعادة تنظيم صفوفها، وبالتالي تنفيذ عمليات ارهابية في مناطق مكتظة بالسكان في العاصمة، كما حصل خلال هذا العام من تفجيرات في مدينة الصدر وساحة الطيران، ناهيك عن الحوادث والعمليات الارهابية التي تحصل في الطارمية نفسها، التي تستهدف مرة المواطنين المدنيين، ومرة قوات الجيش والشرطة الاتحادية، ومرة قوات “الحشد الشعبي”.
   ولعل العامل الآخر الذي ساهم في تغذية الارهاب وابقاء العناصر المحركة له فاعلة ونشطة في منطقة استراتيجية مهمة مثل الطارمية، هو الحسابات السياسية الضيقة، واتخاذ بعض الأطراف الطارمية ورقة لتحقيق مكاسب سياسية بصرف النظر عما يمكن أن يخلفه ذلك الأسلوب من آثار وتبعات كارثية. وربما كانت عملية اغتيال الناشط المدني والمرشح للانتخابات البرلمانية القادمة عن تحالف “عزم” هشام المشهداني، في الثاني والعشرين من شهر أيار-مايو الماضي، مؤشرًا واضحًا على طبيعة ومنحى التنافس والصراع السياسي بين الفرقاء، ولم تمر سوى بضعة ايام، حتى تعرض منزل القيادي في “الحشد الشعبي” في المنطقة حامد شديد، لهجوم من قبل عناصر ارهابية مسلحة، ليكون مؤشرًا آخر بهذا الاتجاه.
   وبينما يصف محللون وخبراء في الشؤون الأمنية الطارمية بالقنبلة الموقوتة، ويحذرون من أن تفجرها – لا سمح الله – سوف تكون له نتائج وخيمة، تؤكد مصادر استخباراتية “ان هذا القضاء يشهد معدل خمسة أحداث عنف في الأسبوع الواحد، وهذه الأعمال تتنوع حتى أن الأجهزة الأمنية والعسكرية لا تستطيع أن تتعامل معها باعتبارها صادرة عن جهة واحدة”.
   وتضيف المصادر “ان المقار والمراكز الأمنية والحزبية ومنازل الشخصيات العامة في الطارمية تتعرض باستمرار وبصورة مباشرة لهجمات بقذائف الهاون والعبوات الناسفة، رغم الوجود المكثف للقوى الأمنية في القضاء، حيث ينشر الجيش لواءين كاملين، الى جانب تشكيلات من الحشد الشعبي، الا أن المسألة ليست مجرد مواجهة أمنية وعسكرية، بل هي تحت تأثير الأحوال السياسية في عموم البلاد”.
   وطبيعي جدًا أن يؤدي استمرار الاضطراب والتوتر الأمني الى حدوث عمليات نزوح لأبناء المدنية الى مناطق أخرى أكثر أمنًا في بغداد ومدن أخرى.
   لا شك أن مثل هذه التداعيات، تمثل مقدمات مقلقة للغاية لنتائج ومعطيات خطيرة تستلزم معالجات جريئة وسريعة من قبل الحكومة، بعيدًا عن الحسابات السياسية، والمجاملات لهذا الطرف أو ذاك، وإعلان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي اطلاق عملية عسكرية واسعة لتطهير القضاء من بؤر الارهاب، تعد خطوة مهمة جدًا، والأهم من ذلك، ينبغي أن لا تتوقف العملية إلا بعد أن تحقق كافة النتائج المطلوبة، وأن تمتد الى مساحات خارج القضاء، ويصار فيما بعد الى وضع خطط وسياقات وآليات تضمن عدم عودة العناصر والمجاميع الارهابية المسلحة مرة أخرى، الى جانب تفعيل الجهد الاستخباري، وإشراك الفاعليات المجتمعية، كشيوخ ووجهاء عشائر المنطقة في تنفيذ الخطوات والإجراءات العملية.       
   وقال الكاظمي خلال اجتماع له مع عدد من القيادات الامنية المسؤولة عن ملف الطارمية “ان مكافحة الإرهاب مسؤولية جماعية يجب أن يشارك فيها الجميع، والقضاء على الإرهاب، وتجفيف منابعه يحتاج إلى عزيمة وقوة الاجهزة والقيادات الامنية، والتعاون بين الدولة والمواطن”. 
   والاهم من ذلك، شدد الكاظمي، على ضرورة الانتباه والحذر من الأصوات المتطرفة، التي تبحث عن فرص لخلق شرخ اجتماعي بين العراقيين وخلق فتن طائفية، وهذه الأصوات مرفوضة من قبل الجميع، فقد أثبت العراقيون أنهم لم ينجروا، ولن ينجروا وراء هكذا خطابات مغرضة، وان العراق يمر اليوم بظروف حساسة جدا، وقد نجحنا بتفكيك الكثير من الأزمات الداخلية والخارجية والتغلّب على العديد من التحديات، وأمامنا حوالي شهرين للانتخابات المبكرة التي ستأتي بحكومة جديدة، تواصل ما تحقق خلال اكثر من عام.
    خلاصة القول، سرعة المبادرة والحزم وتوظيف كل القدرات والامكانيات المادية والبشرية لضرب الارهاب في الطارمية، يعني التقدم بخطوات كبيرة للقضاء على ما تبقى من زمر وعصابات “داعش” الاجرامية، بينما التردد والتناحر والتدافع والتنافس، يمكن ان تفضي الى العكس من ذلك تماما.

وسوم :