الأكثر مشاهدة

إلغاء منصب المفتي في سورية وما رافقَ ذلك من جدَلْ

د. عبد الحميد فجر سلوم
1ــ
الحدث الأبرز على الساحة السورية خلال الأيام الماضية كان إلغاء منصب مفتي الجمهورية..
ففي خطوة غير مسبوقة، تمّ يوم الاثنين 15 تشرين ثاني 2021 ، إلغاء المادة رقم 35 من القانون الناظم لعمل وزارة الأوقاف السورية، التي يُسمَّى بموجبها المفتي العام للجمهورية..
أي لم يعُد يُوجَد في سورية شيئا اسمه مفتي الجمهورية ولا دارُ إفتاء بالمعني الذي ألِفناهُ وعرِفناه.. وإنما أصبحت مهام المفتي منوطةٌ بِما يُعرفُ ” المجلس العلمي الفقهي” الذي تشكّل وفقا للمادة الخامسة من القانون رقم 31 للعام 2018 الخاص بوزارة الأوقاف..
الإقدام على هذه الخطوة جاء بعد تفسيراتٍ جدلية للمفتي أحمد بدر الدين حسون لِما ورد في بعض الآيات القرآنية، لاسيما سورة “التين” .. مِمّا استدعى اعتراض ” المجلس العلمي الفقهي” الذي يرأسهُ وزير الأوقاف.. ولذا كان من الطبيعي أن يربط الكثيرون بين هذا المرسوم وبين الجدَل واللّغط الذي دار بعد تفسيرات المفتي حسون..
إلا أن كثيرون أيضا مضوا في تفسيراتهم أبعد من ذلك، واعتبروا في الأمر تحجيما لأهل “السُنّة والجماعة” وتهميشا لهم.. ومُصادَرة لِوقفِهم..
وهناك من مضوا بعيدا أكثر، ورأوا فيه جزءا من مشروع إيراني لإلحاق مرجعية الإفتاء في سورية بالمراجِع الإيرانية من خلال المجلس العلمي الفقهي الذي يضمُّ العديد من أهل الشيعة، وأنّ مسألة الخلاف بين المفتي ووزير الأوقاف لا تُبرِّر إلغاء منصب مفتي الجمهورية.. وإنما إصلاح ذات البَين، أو إعفاء أحدهما ومن ثمّ يُطوي الخلاف..
وهناك من رأوا في الأمر تنظيما لشؤون الدين، وضبطا للفتاوى وقطع الطريق أمام أي تناقضات في هذا المجال..
بينما كثيرون فسّروا الأمر في إطار علماني وحرص الدولة على أن تكون في موقع المساواة بين كل الطوائف، وعلى مسافة واحدة من الجميع..
أيٍّ تكُن التفسيرات والمبررات، فعموما كان هناك عدم ارتياح من عموم “أهل السُنّة والجماعة”، على ضفتي الصراع، أي الموالين والمُعارضين، فضلا عن الوسطيين.. فالجميع اعتبروا الأمر مسّا بإحدى ركائز ومعاني عقيدة أهل “السُنّة والجماعَة” وإضعافا لهم..
2ــ
مرجعية ” الإفتاء” قائمةٌ منذ زمن الرسول محمد(ص)..
وفي زمن الرسول عليه السلام، كان الرسول هو المُفتي والقاضي والحاكم السياسي والقائد العسكري.. الخ..
وسارَ الخلفاء الراشدين على خطى الرسول، فضلا عن الاعتماد على فقهاء الصحابة..
وتبقَى عبارة الخليفة عمر بن الخطاب خالدة في التاريخ حينما قال: لولا عليٍّ لهلَكَ عُمر.. إذْ كان الإمام عليٍّ من أكبر مُساعِدي عُمَر وقاضي المدينة الأوّلي..
وهذا مذكور في مراجع عديدة منها: تفسير النيسابوري، ومناقب الخوارزمي، وشرح الجامع الصغير للشيخ محمد الحنفي، وغيرها..
3 ــ
وكان الأمر كذلك في عهد الخلافة الأموية، إلى أن جاء زمن الخلافة العبّاسية، فأنشأ هارون الرشيد مؤسسة ” قاضي القضاة” وكانت مهمتها تعيين القضاة ومراقبة عملهم.. وهذا استمر في فترة العهد الفاطمي والأيوبي والمملوكي، إلى زمن العهد العثماني حيث ساد مصطلح ” شيخ الإسلام” أو ” المفتي الأكبر” ، وكان لهما ذات المعنى.. وكان يُعيَّن ” شيخ الإسلام” من قِبَل الخليفة..
وهناك من يقول أن لقَبْ “شيخ الإسلام” كان موجودٌ منذ القرن الرابع الهجري..
المُهم كان دوما هناك من يقوم بمهمة الإفتاء، من خلفاء وسلاطين ورجالُ علمٍ وفُقهاء دين..
ولذلك فإن هذا الموقع أو المنصب، هو إرث ديني تاريخي في الإسلام..
4ــ
حبّذا لو قامت وزارة الأوقاف السورية، ووزير الأوقاف شخصيا بإجراء حوارات تلفزيونية مُباشَرة، يشرحُ فيها لعموم المُسلمين، أهداف إلغاء منصب المُفتي ودار الإفتاء، ويُقنِعهُم بالحجة والمنطق والدليل، بأهمية هذه الخطوة وضرورتها.. ويقطع الطريق على كافة المُشكِّكين..
بل يتناظرُ ويتحاورُ مع عُلماء دين مُسلمين مُعارضين لقرار إلغاء منصب المُفتي ونرى من سيُقنِع مَنْ، ومَنْ سيكون رأيهُ هو المقبول والمُقنِع لدى عموم المُسلمين.. فمسألةٌ بهذه الأهمية والحساسية تستحق الشفافية وإقامة حوارات وندوات واسعة لإقناع عموم المُسلمين أنّ القرار كان مدروسا وصائبا وليس ارتجاليا، أو تصفية لِحسابات شخصية أو غير ذلك من المعاني، بين وزارتي الأوقاف ودار الإفتاء..
فما الذي كان يمنع أن يظهر على الشاشات كلٍّ من المُفتي حسُّون ووزير الأوقاف، ورهطٌ من المشايخ والفقهاء، ويتحاورُا في هذا الموضوع، وكلٍّ يُدلي بِدلوهِ أمام عموم الناس.. وكذلك يشرحون آلية عمل “المجلس العِلمي الفقهي” وكيف سيقومُ بمهامهِ وكيف ستنسحب قراراته على كافة أبناء المذاهِب الإسلامية، لاسيما أن بعضها لديها مرجعياتها المذهبية الخاصة، المعروفة بمجالِس الملَّة..
أمورٌ عديدة تحتاجُ إلى شفافيةٍ وشرحٍ وتوضيحٍ بشكلٍ مُقنعٍ ومنطقيٍّ وصحيحٍ استنادا إلى فقه الشريعة الإسلامية..
كل هذا هو من مسؤولية وزارة الأوقاف، والوزير شخصيا، فهي صاحبةُ الفكرة وهي من أعدّت مشروع مرسوم إلغاء منصب مفتي الجمهورية، كما أنها هي من أعدّت قانون وزارة الأوقاف الذي حصل حولهُ جدلا كبيرا في مجلس الشعب قبل إقراره في تشرين أول 2018 ..
وأصحاب التوجهات العَلمانية رأوا في ذلك القانون تهديدا لعَلمانية الدولة وتكريسا للسُلطة الدينية، إذْ أنّ القانون يُتيحُ لوزارة الأوقاف التحكُّم في مؤسسات ماليةٍ وتربويةٍ وحتى مؤسسات للإنتاج الفني والتلفزيوني.. ويبدو في ظاهرهِ يهدفُ للتطوير والتحديث ومكافحة الإرهاب، بينما في باطنهِ يُرسِّخ وزارة الأوقاف كمؤسسة مُستقلّة عن الحكومة، ويُضاعفُ سُلطات وزيرها بحيثُ يغدو أكبر من وزارتهِ، وهذا لا يستقيمُ مع قوانين الإدارة الحديثة ولا مع منطق وروح العَلمانية.. هذا برأي العَلمانيين..
5 ــ
وبالفعل يلحظُ الجميع في سورية أن حُرية العمل والنشاط مُتاحةٌ بالكامل لذوي التوجهات الدينية، لاسيما النسائية (القبيسيات) بينما تُحارَبُ التوجهات العَلمانية، والخطير جدا أن قيادة البعث قامت بِفصلِ العديد من البعثيين من الحزب لأنهم انضموا إلى تيارات عَلمانية (وليست أحزابا) في الوقت الذي ما زال البعث يقولُ أنهُ حزبا عَلمانيا.. فالتأثير الديني واضحٌ حتى في نهجِ وسلوكيةِ قيادة البعث..
الإسلام في أزمة.. والبعث في أزمة.. ولا يُمكن حل أية أزمة إلا بالفصل بين الدين والسياسة أو الدولة، وليس بهيمنة الدين على السياسة والدولة، فهذا لا يتناسب مع فسيفساء المجتمع السوري.. وهو خطيرٌ على التعايُش في البلد..
لستُ أنا من يقولُ ذلك بل أنّ عالِم الدين الشهير بديع الزمان سعيد النورسي المتوفي في آذار 1960،  سبقَ وتحدّث عن ذلك في خُطبتهِ الشامية على منبر الجامع الأموي عام 1909 ، حيثُ قال:
(إن الإسلام يُعاني من اليأس وفُقدان الشرف في السياسة وفي العلاقات الاجتماعية، وإحلال الحِقد العام محلَّ المحبّة، وابتعاد المُسلمين عن الاتحاد والوحدة، وسيادة روح الأنانية)..
هذا الكلام منذ عام 1909 في زمن السلطَنة العُثمانية التي تُعتبَر بنظر الكثيرين امتدادا للخلافات الإسلامية.. فكيف بنا اليوم والإسلام على هذه الصورة التي لم يُعرَف أبشعُ منها في أذهان المُسلمين وأذهان العالم..
6ــ
الإسلام هو العقيدة الروحية لغالبية الناس في سورية، ولكن الدولة يجب أن تكون عَلمانية، وتحكمها قوانين عَلمانية تساوي بين كل أبناء الطيف السوري، ولا يجوز أن يتدخّل الدّين بالقوانين الوضعية في الدولة..
وكما أنّ الدول الأوروبية هي مسيحيةٌ في المُعتقَد ولكن أنظمة الحكم فيها عَلمانية، فالأمر ذاتهُ يُمكن أن ينطبق على الدِّين الإسلامي.. ومسألة الإسلام “دينْ ودولةْ” فهذه بدعة لا سندا لها في القرآن والسُنّة.. وإنما من اختراع السلاطين وشيوخهم كي يُمسِكوا بقبضة السُلطة، وتأتي شيوخ السلاطين لتفتي لهُم بأنه لا يجوز الخروج على أولياء الأمور حتى لو كانوا ظالمين ومُخطئين.. وهكذا مرّروا كل اتفاقات التطبيع مع العدو الإسرائيلي بالماضي والحاضر، تحت عنوان طاعة أولياء الأمور، كما يُروِّج اليوم شيوخ السلاطين في دولة الإمارات، بوجوب طاعة أولياء الأمور حتى في التطبيع ولو كان على حساب فلسطين وشعبها وعلى حساب القُدس والأقصى ومُقدّسات المسلمين..
ولو كان هذا القولُ صحيحا لمَا خرج الحُسين على يزيد.. وكأنّ المُسلمين مُجرّد أغناما تُقادُ كما يُقاد القطيع بِلا أي رأي.. وهذا قمّة الاستبداد والظُلم والاستغباء.. فأينَ هي الشورى؟.
لا يجوز أن تكون السياسة في خدمة الدين، ولا أن يكون الدّين في خدمة السياسة، يجب الفصل بين الأمرين كاملا.. وكما قال  الشيخ ” النورسي” : “أعوذُ بالله من الشيطان والسياسة”..
فلا يجوز أن تتدخّل السياسة بالمساجد ولا أن تتدخل المساجد بالسياسة.. فتسييس الدين، أو تديين السياسة، خطيرٌ جدا في بلدٍ فسيفسائي بأديانه، وطوائفه ومذاهبه، كما سورية.. بل حتى في أي مكانٍ آخرٍ، لأنهُ يجرُّ المجتمعات إلى الخلف بدل أن تسير للأمام..
من غير المعقول أن نعيش في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بينما عقولنا ووعينا وتفكيرنا يعيش في القرن الأول الهجري، ونمضي غالبية الأوقات ونحنُ نستعرضُ قصصا وروايات من 1400 سنة.. كيف تزوّج فُلان من فُلانَة.. وكيف تزوّجت فُلانَة من فُلان.. والصحابي فُلان تزوج بنت الصحابي فُلان.. والخليفة فُلان قال لابنتهِ زوّجتُكِ فُلانا وهو كذا وكذا وكذا.. وفُلان طلب يد فُلانة، ولكن قال لهُ والدها كذا وكذا وكذا..
أحترمُ كل الخلفاء والصحابة، وسيدات وأمهات المُسلمين، ولكن ماذا يعني أن تبقى قصص ذاك الزمن مِحورُ ثقافتنا، وتُشغِلُ عقولنا وأوقاتنا وتفكيرنا على مدى الساعة، ونبقى مهووسون بتلك القصص والحكايا والروايات وكأن التاريخ توقّف منذ ذاك الزمن؟..
7 ــ
الغريب أنّ دولا نعتناها زَمَنا بالرجعية، نراها اليوم تُبعِد تأثير الدين في السياسة وبشؤون الدولة.. بينما سورية الموصوفة “بالتقدمية والعلمانية”، وفي ظل البعث “العلماني والتقدمي”، ترضخُ لضغوطات التأثير الديني في السياسة وشؤون الدولة..
أراضينا مُحتلّة، ولا نُريدُ لعقولنا أن تُحتلْ.. أبعِدوا الدين عن السياسة.. قلِّصوا من النفوذ الديني.. أو اسمحوا للتيارات العَلمانية واليسارية والديمقراطية، أن تنشط بِحريةٍ أيضا، وأن تكون الدولة على مسافة واحدة من التيارات الدينية والتيارات العَلمانية ولا تنحاز لأي طرف..
التوجهات التي نلحظها خطيرة.. فما هدفها؟. ومن هي الجهات الخارجية والداخلية التي تقف خلفها؟. أيٍّ تكُن، فهذه التوجهات ليست إطلاقا لمصلحة سورية الحاضر والمُستقبَل..
كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

وسوم :