الأكثر مشاهدة

فاقد الشيء لا يعطيه

محمد عبد الجبار الشبوط 7 2021-11-24

  محمد عبد الجبار الشبوط ||   انا لاافهم اي معنى لكلمة “الاصلاح” سوى “العمل على اقامة الدولة الحضارية الحديثة”. كل ماعدا ذلك نقص في الرؤية، او تلاعب بالالفاظ. وليس في هذا موقف سلبي من احد، لكنه دعوة الى الجميع ان يعيدوا تعريف كلمة الاصلاح الذي ينادون به.  هذا اولا، وثانيا: الاصلاح يتضمن معنى اعادة بناء واعادة هيكلة الدولة العراقية الحالية خاصة بصيغتها بعد عام ٢٠٠٣، والتي اطلقت عليها اسم “الجمهورية الثالثة”. الاصلاح يعني الانتقال الى الجمهورية الرابعة وليس اعادة انتاج الجمهورية الثالثة.  وثالثا، تتطلب عملية الاصلاح الهادفة الى اقامة الدولة الحضارية الحديثة تأسيس حركة شعبية وطنية واسعة على اساس المواطنة والرؤية القيمية الحضارية. الحركة الوطنية المقصودة تعيد الحياة والفاعلية لمبدأ المواطنة الذي تم استبداله في الجمهورية الثالثة بمبدأ المكون الذي كرّس انقسام المجتمع العراقي الى فئات وطوائف لا يجمعها الانتماء الى وطن واحد هو العراق، بقدر ما يجمعها، كلا على حدة، الانتماءُ الى هويات فرعية دينية ومذهبية وعرقية تحول دون تحقق الاندماج الحقيقي بين فئات المجتمع وولادة الشعب العراقي الموحد، او الامة العراقية الموحدة. المواطنة هي الرابطة الشعورية والحقوقية بين الفرد والدولة. وهي تتجسد على شكل منظومة حقوق وواجبات. انها انتماء الفرد الى الدولة والارتباط بافرادها بهدف مشترك بغض النظر عن الدين والعقيدة والقومية. لا يكون الانتماء الا للوطن.   لا يولد الانسان مواطنا، انما يولد فردا، ويعود الى خالقه فردا، ولكنه يتحول الى مواطن في سياق تطوره الاجتماعي.  فالمواطنة صفة مكتسبة يحصل عليها الانسان بالثقافة والوعي والالتزام بمنظومة الحقوق والواجبات والانخراط بشبكة العلاقات الطوعية المسماة بالمجتمع المدني.  المواطن الفعّال هو ذلك المواطن الذي يشعر بمسؤوليته الذاتية عن احوال مجتمعه وغيره من المواطنين ويؤمن بقدرته على تغيير هذه الأحوال وتطويرها نحو الأفضل.  المواطن الصالح هو ذلك المواطن الفعّال الذي يسعى لتحقيق الخير العام لمجتمعه بغض النظر عن مصلحته الذاتية.  لا يمكن تصور وجود المواطنة الصالحة بدون وجود دولة ذات سلطات فاعلة، ومؤسسات قوية، ووضوح للاهداف المشتركة للمجتمع.  تحرص الدولة الحضارية الحديثة على صيانة حقوق المواطن، وهي حقوق الانسان المقرة عالميا والمقبولة انسانيا والتي تتمثل في الحرية والعدالة والمساواة والرفاهية والسعادة، وما يتفرع منها. الحريات السياسية مثل حرية تشكيل الاحزاب وحرية التعبير واﻻعلام من الشروط الضرورية لقيام الدولة الحضارية الحديثة. وكذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. الدستور العراقي نص على هذه الحقوق والمطلوب إيجاد نظام قادر على صيانتها. للمواطنة الصالحة واجبات، تتمثل بإحترام القانون، دفع الضرائب، الالتزام بالواجبات الاجتماعية، الحفاظ على البيئة، احترام الدستور، الدفاع عن الدولة خاصة في حالات الحروب.  للمواطنة الصالحة عدة مقومات تضمن تحققها في المجتمع، منها حب الوطن وحب العمل من اجل تقدمة ودفع الضرر عنة والحفاظ علية وعلى ثرواته والمشاركة الفعالة في تنميته اجتماعيا واقتصاديا وصحيا وثقافيا. في الدولة الحضارية الحديثة تشكل المواطنة وحدة بناء، والكفاءة وحدة قياس. هذا على خلاف دولة المكونات والمحاصصة حيث يكون الانتماء والولاء هما وحدتي البناء والقياس.  كل ما تقدم غائب عن اذهان الفاعلين السياسيين الحاليين في المشهد العراقي. فهم ليسوا اكثر من جماعات “قبلية” متصارعة او متنافسة فيما بينهم بعيدا عن مبدأ المواطنة وخارج السياق التاريخي للدولة الحضارية الحديثة.  وعبثا ذهبت محاولاتنا الى وضعهم على الطريق الصحيح المؤدي الى الدولة الحضارية الحديثة. ولهذا لا يمكن الركون اليهم والاعتماد عليهم لتحقيق ذلك. لان فاقد الشيء لا يعطيه. فالامر متوقف على ان يتحول العراقيون الذين مازالوا متمسكين بمبدأ المواطنة الى حركة وطنية شعبية واسعة تأخذ على عاتقها تحقيق الاصلاح الحقيقي بمعيار ومقياس الدولة الحضارية الحديثة.

وسوم :