الأكثر مشاهدة

فرح المعرفة وفرح الجمادات

يستغرب بعض معارفي، من السياسيين والمسؤولين ورجال الأعمال، حجم فرحتي عندما يصدر كتابٌ جديد لي، أو عندما ينشر أحد الباحثين مقالاً حول أحد كتبي، أو حين أقدم محاضرة فيها مقولات جديدة، أو حين يقام حفل توقيع وتكريم لي، أو عندما أحضر مناقشة رسالة أحد طلابي، كما يستهجن آخرون منهم أن أصرف أغلب مردودي المادي البسيط على مشاريع بحثية وثقافية وخيرية، ولا أفكر ــ مثلاً ــ بشراء بيت أو سيارة، ويمتعضون حين نستغرق مع بعض الأصدقاء المتشابهين في الاهتمامات، في النقاشات الفكرية والثقافية، ويعدّونها ترفاً ذهنياً و(بطر). أما استغراقهم هم في أحاديث السياسية اليومية والمناصب والمشاريع الاقتصادية والاستثمارات؛ فيعدونه صلب الواقعية والاندكاك بالحقائق وبمتطلبات الحياة العصرية.

وفي المقابل؛ أستغرب حجم فرحة بعض هؤلاء حين يتحدث عن شراء بيت جديد بثمن باهض، أو عن مواصفات سيارة فخمة، أو مشروع استثماري تحققت منه أرباح كثيرة، أو منصب رفيع، أو حسابات مصرفية باسم الأولاد. نعم استغرب؛ لأنني أعتقد أن هذه الأمور المادية العابرة لا تشكل أية ميزة ولا أية مدعاة للتفاخر والفرح الحقيقي، مقابل إنجاز فكري وثقافي، ومشروع معرفي، وعمل خيري، بل لا أجد أية ميزة لبيوتهم وقصورهم على بيتي البسيط، ولا لسياراتهم الفخمة على سيارتي المتواضعة، ولا يشغل هذا الموضوع أي حيز من تفكيري، إلّا بمقدار ما يشكل لي مادة للدراسة والتأمل.

لا أعرف لماذا لايتسرب الى نفسي أي إحساس بأن هذه الجمادات والمواقع يمكن أن تفرحني إذا حصلت عليها؛ ليس لأنني لم أجربها، أو أنني أدّعي الزهد والتصوف والانعزال عن فتن الدنيا وملذاتها؛ بل لأنني لا أمتلك خاصية الشعور بالفرح والتفاخر في الجمادات، التي هي مجرد وسائل للعيش الطبيعي، لا أكثر، ولا يأخذ منها أصحابها الى قبورهم ولا بحجم رأس إبرة، بل يتحملون وزرها في الدنيا قبل الآخرة، خاصة بعد أن يورثونها للأبناء والأصهار، بينما سآخذ معي الى قبري أعمالي المعرفية المنذورة، وهي باقيات صالحات، وزكاة دائمة وصدقة جارية، تنفع البلاد والعباد، ولن أتحمل وزر ما سأورثه لأولادي؛ بل سيرثون ما يزيدهم فخراً وعزاً.

ولست هنا في وارد نقد أحد أو نقد ظاهرة، أو تسجيل فضيلة لأهل المعرفة، أو إلقاء موعظة في الزهد والعمل للآخرة، إطلاقاً، بل هدفي هو الحديث عن إشكالية نفسية إنسانية تكوينية، لا دخل للإنسان ــ غالباً ــ في التأسيس لها داخله أو صناعتها في جيناته وعقله وقلبه؛ فلكل إنسان عشقه وهواه وهواياته وميوله ورغباته ومزاجه؛ فإذا كان عشق بعض الناس وهواهم يتلخص في الجمادات والمناصب والأموال؛ فأنا عشقي يتلخص في القلم والورقة واللابتوب والكتاب.

أي؛ أنني في الوقت الذي أجد إنسان الجمادات محروم من ألذ متعة في العالم، وهي متعة المعرفة، وأتساءل مع نفسي كيف يمكن أن يعيش الإنسان دون قلم وكتاب؟! فإن إنسان الجمادات أيضاً لديه شعور معاكس تجاهي، ويتساءل كيف يمكن أن يعيش الإنسان حياة ممتعة دون بيوت فارهة وسيارات فخمة وحسابات مصرفية ومناصب، ودون أن يشاهد أولاده يرفلون بنعيم البذخ والترف؟، وبالتالي؛ هو يراني “مسكيناً ومحروماً”، كما أنا أراه “مسكيناً ومحروماً”.

النتيجة؛ أن كلينا من حقه أن يعيش عشقه ومتعته، ولا يمكن أن نُلام على ما نعشق، لطالما كان عشقاً حلالاً من ناحيتي القانون والشرع، ولا يؤثر سلباً على الآخرين ولا يتجاوز على حقوقهم وحرياتهم.

ولكن؛ في الوقت نفسه، ينبغي لإنسان الجمادات كبح جماح نفسه، والتوفيق بين أهوائه وهواياته الحسية وعشقه للمال والمناصب والجاه المادي و(الفخفخة) الاجتماعية، وبين العمل الصالح والمعنوي والخيري، والثقافة والمطالعة وكسب العلم والمعرفة، أو على أقل تقدير، دعم وتشجيع من أوقف حياته لهذا الدور.

*علي المؤمن*

وسوم :