العكيلي.. سياحة “الهروب” في أربيل

19708
بغداد /المسلة: رحيم حسن جريو العكيلي، رئيس “هيئة النزاهة” السابق، سيكون على الأرجح، من أوائل قضاة العراق، إنْ لم يكن الوحيد بينهم، الذي يدخل التأريخ “القضائي” العراقي، من أوسع أبوابه، ليس عن حِرَفية، وأَهْلِيّة، وجَدَارَة، بل لأنه قاضٍ تستّر على الإِنْحِرَاف، وتَمَلَّقَ الفاسدين في قضايا النزاهة، إنْ لم يكن قَبَضَ ثمن مشاركته لهم.

ولعلّ العكيلي يدرك ذلك، شاعراً بالندم على خدمته في النزاهة التي كشفت معدنه الحقيقي، ليقول لوسائل الاعلام، انّ “أكبر خطأ في حياته ترأسه لهيئة النزاهة”، فيما يؤكد، مَنْ عَمَلَ معه وعايشه، إنه كان جذلاناً، مغروراً، ومتسلّطاً، حين كان استبداده يمنعه من قبول منافسة أحد له في منصبه، الذي جعل منه نافذة لتمرير الولاءات السياسية، والإثراء غير المشروع، عبر مشاركة المفسدين، الصفقات.

وليس غَرْوَاً، انْ يقول العكيلي في إحدى حواراته الحديثة مع وسائل الاعلام، انه كان يتمنى انْ يكون شبيهاً بـالشخص الحاد الذكاء “هركل بوارو”، محقق قصص “أجاثا كرستي”، صاحبة الموهبة، في سبر أسرار النفس البشرية.

بيْد انّ ناشطاً رقمياً يردّ عليه بانّ هؤلاء لم يكونوا فاسدين، البتّة، ولم يطاردهم القانون، فمن المفارقات المضحِكة المبكِيِة، والجالِبة للعار لصاحبها، أنْ يكون قاضياً، راعياً للقانون، تطارده محكمة الجنايات المركزية في وكالة وزارة الداخلية، في سعي للقبض عليه وفق المادة 331 من قانون العقوبات، ما جعله يهرب الى أربيل، شأنه شان المطلوبين للعدالة في بغداد.

لكنّ القاضي الذي يستمع الى أغاني أم كلثوم، في لياليه الموحِشة هناك، كما صرّح لوسائل الميديا، يبرّر هروبه المُخجِل، بالقول “تركت مدينتي الحبيبة بغداد مضطراً، فقد احتلّها السّراق والأفّاقون والقتلة و الغرباء، فأصبحنا نحن أهلها غرباء فيها، فهاجرت إلى أربيل منذ أكثر من سنتين”.

لكن، مهما زعم العكيلي، فانه بات قاضياً مطلوباً للعدالة، فتأمّل المفارقة، حين يطفح كيل المنطق السوي، القائل بان القاض هو رمز العدالة والعفّة، فيتحول في حالة العكيلي، الى إيقونة للشبهات والفساد.

وإذا كان أمر القاء القبض على رئيس هيئة النزاهة السابق رحيم العكيلي، وفقا للمادة (331) من قانون العقوبات في3 أذار/مارس 2014، دليل دامغ على تورّطه في الفساد، في عشرات القضايا، فانّ الرجل، وهو يدافع عن نفسه في مدوّنة نشرها على حسابه في “فيسبوك”، يُورد الحجج بلا دلائل، ساعياً الى استدرار العطف، مشتكياً من خذلان الرفاق والزملاء، وهو ديْدن الذين تضيق بهم الارض على وسعها، بعدما وضعوا انفسهم في مآزق الشبهات والتُهم.

يركّز العكيلي، على انٍّ الاتهامات التي وُجّهت له باطلة، معللاً سبب اتهامه بـ18 قضية “نزاهة”، من قبل محكمة الجنايات المركزية في مجلس القضاء الاعلى، “لم ينزل الله بها من سلطان”، لمجرّد انه تعرّض لـ”غول” الفساد الذي أمسك “بتلابيب” الدولة العراقية، معترفاً بانه “لامَسَ شَعْر هذا الغول، فلم يتمكّن منه”.

هذا المنطق الإسقاطي في الرد، معروف، فما في جعبة القاضي الهارب الى أربيل يُسقطه على الاخرين، وكفى الله العكيلي شر نص المادة 331 من قانون العقوبات العراقي التي توجب المعاقبة “بالحبس وبغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل مفوض أو مكلّف بخدمة عامة ازاء التصرف عمداً بما يخالف واجبات وظيفته، أو التخلف عن اداء عمل من اعمالها بقصد الاضرار بمصلحة احد الافراد او بقصد منفعة شخص على حساب آخر، أو على حساب الدولة”.

لكنّ الدليل لا يغيب، ذلك انّ معاون مدير عام التحقيقات العامة في هيئة النزاهة، والمدير العام وكالةً، لدائرة تحقيق بغداد بين عامي 2003 و 2004، سلام جدوع الدليمي، يقول ان العكيلي “جاملَ الفاسدين وغطّى عليهم”، مثلما “مَنَعَ المحقّقين من التحقيق في القضايا، وأصبح المحقَق لا يحق له الذهاب الى الوزارة لطلب معلومات أو مخاطبتها”.

وهذه الطبيعة المنحرفة في عمل القاضي، جعلته دكتاتوراً، يهدّد المحققين من حوله، اذا لم يطيعوا، ويشن الحرب عليهم، اذا لم يذعنوا، زارعاً الرعب في نفوسهم عبر العقوبات اللاقانونية والجائرة مثل الفصل، أو النقل الى المحافظات الاخرى.

واتَّهم الدليميُ، العكيلي “بتحريف عمل الهيئة من التحقيق في قضايا الفساد الى هيئة للاستبيان عن حالات الفساد”.

وفي الكثير من فعالياته العامة، و تدويناته، وبياناته، بات العكيلي ضعيف الحجة، وهو يواجه تهم استغلال المنصب يوم كان رئيساً لهيئة النزاهة منذ كانون الثاني 2008، ولغاية 8 أيلول 2011، فيما يورد المحقّق القضائي، الدليمي، انّ العكيلي ألغى استقلال الهيئة حين ضمّها الى “المجلس الاعلى لمكافحة الفساد”، وفَتَحَ أبواب الهيئة لصباح الساعدي وأتباعه، وأعضاء من حزب “الفضيلة” وتعيينهم بمناصب رفيعة خِلافاً للقانون، مستعينا بعضلاتهم السياسية.

غير انّ الساعدي لم ينس رد الجميل لزعيم ‏ الطُّغمةُ “الفاسدة” في “النزاهة”‏، فثارت ثائرته حين كُشِف النقاب عن فساد العكيلي، معتبراً ذلك من مظاهر “التسقيط” السياسي، ليقول في 2011 إنّ “العكيلي ضحيّة مؤامرة شخصية رفيعة المستوى، اكتشف العكيلي فسادها”.

وكانت قوة امنية اعتقلت في 31 كانون الأول 2013، رئيس هيئة النزاهة السابق القاضي رحيم العكيلي اثناء تواجده في إحدى مناطق بغداد.

تقول مصادر لـ “المسلة” انّ من اعمال العكيلي المشينة لقاضٍ ينشد العدالة، اشرافه غير النزيه العام 2005، على تقرير “ديوان الرقابة المالية” حول مخالفات وزارة الدفاع في زمن حازم الشعلان، بعدما سعى الى التقليل من شأن الاتهامات الموجّهة الى الشعلان وعصابته، كونها مخالفات ادارية، لا جرائم جنائية.

بل سعى العكيلي بكل إصرار الى التقليل من شأن 43 جريمة جنائية، ارتكبها وزير الدفاع العراقي الاسبق حازم ‏الشعلان شخصياً، لتوقيعه على عقود فيها مخالفات، من بينها صرْف مبالغ دون صلاحيات، وهو ما يؤكده الدليمي، قائلا ان “العكيلي رفض هذه النتائج التي تُدين الشعلان، مخاطباً إياه بالحرف الواحد..”ألا تخاف من حازم الشعلان فإنه سيتحالف مع علاوي في الانتخابات القادمة”.

لم يكن العكيلي قاضياً، فحسب، وهو يرتكب المخالفات القانونية الكثيرة، بل سياسياً “حربائيا” يتلوّن مع ألوان الطبيعة السياسية على قاعدة “مَنْ يتزوّج امي.. فهو عمي “، وهكذا قادته ولاءاته السياسية الدفينة التي يتعمّد عدم اظهارها، الى إخفاء فساد العقود وخاصة فساد وزارات الدفاع، والداخلية، والكهرباء.

هذه الاهداف السياسية، انفضحت فيما بعد مع سعي العكيلي الى الترشّح لانتخابات البرلمان 2014، ليزعم سبباً آخر لاتهامات الفساد الموجّهة اليه، وهي منعه من قبة البرلمان التي يحلم في الجلوس تحتها.

وفي مدوّناته الرقمية، يتّبع العكيلي اليوم، الاسلوب الاسقاطي في محاربة اعدائه، فما هو متّهم به، يتّهم الاخرين بمثله، فيقول ان الدعم المالي من الخارج للأحزاب، فساد سياسي، وانّ من الصعوبة اصطياد “حيتان “الفساد الكبيرة.

وعلى صفحته في “فيسبوك” البطيئة “التحديث”، والخاوية من المضمون الرقمي الذي يتناسب وشخصية قاض ورجل قانون، يصطدم المراقب بأسلوب انشاء غير متّقن، وكلمات نابية، وسب وشتائم، ومخاطبات “سوقية”، حتى انتقد ناشط العكيلي على سوء “الالفاظ” في صفحته.

وفي احدى المدوّنات التي تُظهِر العكيلي متابعاً للشأن العام في بلاده، كتب “يقول معالي امين بغداد بانه يقدّم الخدمات ببلاش، فهل ينفق من مال ابيه ؟ لكي يكون متفضلاً على الشعب بها، ام انها أموال الشعب التي أصبحت بفضل امانتكم وموثوقيتكم خير مصداق للمثل القائل ( ودّع البزون شحمة ) لان 99٪ منها يسرق فلا خدمات مقدمة ولا أموال”.

وفي آخر مدوّنة له ينتقد العكيلي، قانون الاحوال الشخصية الجعفري.

وسوم :