عيد الأضحى يذكّر العراقيّين بضحايا حروبهم

تعتقد أمّ عصام (51 عاماً) أنّ زوجها الذي قتل أثناء الغزو العراقيّ للكويت عام 1990، ودفن في مقبرة

السلام في النجف (160 كم جنوب بغداد)، “ينتظرها”، صبيحة كلّ عيد، ويحزن إذا تأخّرت عن زيارته.

وقبل نحو عامين، اضطرّت أمّ عصام إلى التأخّر عن الدعاء والبكاء عند قبره، لكنّ طيفه زارها في المنام، معاتباً.

ومنذ ذلك الحين، وهي تحرص على زيارة المقبرة بانتظام، لا سيّما في الأعياد الدينيّة.

وتمثّل أمّ عصام حالة تشبه في تفاصيلها الآلاف من الأرامل اللواتي فقدن أزواجهنّ في حروب خاضها العراق منذ ثمانينيّات القرن الماضي.

وفي مقبرة السلام في النجف،يتهيّأ العشرات من مرشدي المقبرة، والدفّانين، وبائعي الأزهار والعطور وقناني الماء والعصائر، لاستقبال ذوي القتلى وأقربائهم وأصدقائهم، في أيّام عيد الأضحى المقبل.

ويقول الدفّان حسن مجيد، لـ”المونيتور” في 22 أيلول/سبتمبر في النجف، إنّ “أغلب الزوّار يعرفون أماكن قبور ذويهم، فيما يضلّ البعض طريقه ويحتاج إلى دليل.”

وهيّأ مجيد خمسة من المساعدين، العارفين بخارطة المقبرة، وحاجات الحجّاج، مشيراً إلى أنّ “مقبرة السلام تمثّل مصدر رزق للعشرات من العائلات في النجف”.

ويعمل الشاب علي الياسري، وهو صاحب دكّان متنقّل لأعواد البخّور والأدعية الدينيّة والأزهار، والشموع، حتّى فترة متأخّرة من اليوم، وهو يتجوّل بين شواهد القبور، مؤكّداً لـ”المونيتور” في 21 أيلول/سبتمبر في النجف، أنّ “الأعياد بالنسبة إليه مصدر رزق جيّد”.

ويؤكّد مجيد أنّ “وتيرة أعداد ضحايا العنف والعمليّات المسلّحة والمعارك لم تنخفض منذ ثمانينيّات القرن الماضي، وأنّ تقسيم المقبرة أوضح دليل على ذلك، فهناك عدد كبير من ضحايا حروب النظام العراقيّ السابق، وهناك ضحايا الغزو العراقيّ للكويت، وضحايا أعمال العنف والحرب الطائفيّة بعد عام 2003″.

ويشير الكاتب والباحث في الشأن الاجتماعيّ العراقيّ حسين الحسيني، لـ”المونيتور” في 22 أيلول/سبتمبر في بابل، إلى أنّ “مقبرة النجف، تضمّ بين رمالها جيلاً عراقيّاً كاملاً دفنته الحروب في هذه الصحراء”، مؤكّداً أنّ “جلّ الموتى فيها هم ضحايا أبرياء لحروب عبثية”.

أمام المقبرة، يقف أبو علي (60 عاماً) إلى جانب قبر إبنه الذي قتل في تفجير في بغداد عام 2006، حيث أكّد لـ”المونيتور” في 21 أيلول/سبتمبر في النجف، أنّه “مضطرّ إلى زيارة القبر قبل العيد بسبب اضطراره إلى السفر قبل حلوله إلى الأردن لمعالجة زوجته المريضة”.

وأمام القبر، وقف مقرئ القرآن يتلو الآيات على أرواح الموتى مقابل مكافآت رمزيّة، حيث أكّد لـ”المونيتور” في 21 أيلول/سبتمبر أنّ “زيارة القبور (سنّة) يشجّع عليها الشرع، لأنّها تذكّر الناس بالآخرة، ويزهدوا في الدنيا”، فيما راح أبو علي يشعل عيدان البخّور، ويركّزها في الرمال.

وما إن يسقط النظر على العشرات من القبور المجاورة، حتّى تتكوّن فكرة واضحة عن الأعداد الهائلة لضحايا الحروب والعنف في البلاد، وجلّهم من الشباب الذين سقطوا خلال نحو أكثر من ثلاثة عقود من الحروب.

وبالنسبة إلى الطائفتين المسلمتين الرئيسيّتين في العراق، وهما السنّة والشيعة، تعتبر زيارة القبور في الأعياد،تقليداً دينيّاً واجتماعيّاً متوارثاً، يحرص الكثير من أفراد الطائفتين على اتّباعه، ويشعر الكثير منهم بالذنب وتأنيب الضمير، إذا تقاعسوا عنه.

وفي حين يفضّل البعض السفر بصورة فرديّة إلى المقابر، يذهب البعض من خلال مجموعات، وفي الحالتين، يكون الغرض واحد، وهو لقاء أحبّة وأعزاء، احتضنهم التراب الذي يعتبره الناس مقدّساً.

ودأبت العوائل العراقيّة على دفن أفرادها المتوفّين في منطقة معيّنة، لتصبح تلك البقعة مخصّصة لهم. ويقول إحسان الحلي لـ”المونيتور” في 21 أيلول/سبتمبر في بابل إنّ “جدّه الرابع مدفون في مقبرة العائلة التي تضمّ نحو أربعين قبراً لموتى من بينهم قتلى سقطوا أثناء الحرب العراقيّة-الإيرانيّة، إضافة إلى أعمام وأخوال وأمّهات وأجداد”.

وقد استأجر الحلي سيّارة تتّسع لنحو عشرين راكباً، وهيّأ وجبات الطعام، والحلويات والفواكه، والصدقات، التي يوزّعها على المحتاجين، حيث تنطلق الأسرة في أوّل صباح العيد إلى مقبرة السلام في النجف.

ويعتبر الباحث مكّي السلطاني من النجف الذي يدلف بسيّارته كلّ يوم إلى جانب مقبرة السلام، المقبرة، في حديثه إلى “المونيتور” في 21 أيلول/ سبتمبر في النجف، بمثابة “مدفن لتاريخ حياة العراقيّين ومسيرتهم ونهاية له، حيث تحتفل يوميّاً بإيداع كوكبة من الأبناء”.

ويشير السلطاني إلى أنّ “المقبرة التي يرجع تاريخها إلى ما يزيد عن أربعة آلاف عام، هي ذات مساحة شاسعة تقدّر بما يزيد عن الـ15 كيلومتراً مربّعاً، وهي آخذة في الاتّساع تدريجيّاً”.

ويروي السلطاني أنّ “هذه المقبرة شهدت الكثير من القصص المريرة، منها أنّ بعض ضحايا النظام السابق كان يدفن فيها بمرافقة الحمايات الأمنيّة للنظام، تجنّباً للفوضى والثورة، وهو ما حدث معه حيث أعدم عدد من أقاربه المعارضين”.

ويصف السلطاني المقبرة بأنّها “ذاكرة حروب العراق المستمرّة حتّى الآن”.

ويقول الكاتب والسيناريست صباح عطوان الذي رصد تفاصيل مجتمعيّة عبر العشرات من أعمال الدراما، في اتّصال مع “المونيتور” في 21 أيلول/سبتمبر في بغداد، إنّ “العراقيّين يستذكرون في العيد، تلك الأرواح التي أزهقتها حروب الحقبات المشتعلة”، مشيراً إلى “الأضرار النفسيّة التي تركتها الحروب التي لا يداويها إشعال شموع على أضرحة القتلى”.

 

وسوم :