الخليجيون لم يزوروا العراق

سرمد الطائي

كل الدنيا جاءت الى العراق خلال الشهرين الماضيين، تعاوناً ومواساة، تقريعاً او تشجيعا على التصالح الداخلي وطي صفحة نوري المالكي وخطاياه، إلا ساسة بلدان الخليج العربي. فقد ذهبنا نحن اليهم ضمن لقاء جدة الذي نظمته السعودية بهندسة اميركية، وهم لم يأتوا.
لقاء جدة حمل ترحيبا خليجيا بما حصل في العراق من تغييرات وإرادة للإصلاح، وبادر السعوديون الى إطلاق اكثر من إشارة إيجابية في هذا الإطار، لكن كل ما حصل حتى الآن اقتصر على استئناف قناة العربية لسياستها المتوازنة نسبيا مع العراق، بعد شهرين من أداء إعلامي كان محزنا للعربية، محطتي المفضلة، ولأصدقائها وانا منهم.
الخليجيون قالوا بوضوح انهم مع العراق، وشاركوا بطائراتهم المقاتلة لضرب اهداف في منطقة داعش وخط تموينها بين سوريا وحدود العراق، لكن احدا منهم لم يأت الى بغداد، وقد فضلوا كما يبدو الانتظار، للتثبت من “النوايا الاصلاحية” للفريق السياسي المحيط بحيدر العبادي. ولكن ما الجديد في هذا الانتظار الخليجي؟
نعم، فقد بقيت الدول الخليجية المؤثرة، تنتظر وتنتظر، طوال ١١ عاما، وتبدي انزعاجها، فيما يمارس اشخاص نافذون فيها، من بعيد، افعالا ليست بالإيجابية. بينما جاء الاتراك والايرانيون، فضلا عن الدول الكبرى، وذهبوا وصنعوا نفوذا ومصالح، اساؤوا او احسنوا، لكنهم كانوا قريبين، وظل الخليج بعيدا.
وانا شخصيا، وبشكل محدد اكثر لكوني من البصرة التي تحتضن الخليج ولا يحتضنها، احاول على الدوام ان اتفهم الحذر الخليجي من الحالة العراقية عبر عقود ومنذ العهد الملكي حتى. واقول للأصدقاء الخليجيين انني كعراقي اكاد امثل حالة وسطى بين المجتمع الخليجي ومجتمع الشام، ونقطة وصل بين المناخين الثقافيين المختلفين. ولذلك فانا لا انظر ابدا للخليج كجزء عدائي في المنطقة، بل جزء قريب الى اقصى الحدود، للروح والمصالح، هو امتداد لنا بقدر ما نحن امتداد له، بينما تعزلنا عنه الريبة المتبادلة والقلق، المشروعان احيانا والمبالغ فيهما في احيان اخرى.
اليوم نشترك على نحو استثنائي في مشروع خليفة عراقي بغدادي او سامرائي، نحو نصف مقاتليه من جنسيات عربية، وعلى رأسهم مواطنون خليجيون. ولذلك فان القلق الذي استولى على الرياض والكويت بعد سقوط الموصل، كان امرا حقيقيا وليس مفتعلا، ونوع التحدي يتطلب ان يتردد الخليجيون على بغداد كثيرا، لا للمجاملة، ولا لمجرد حاجة لتبادل المعلومات التي تهدد الطرفين، ولكن لمساعدة العراقيين وتشجيعهم على اتخاذ خطوات انفتاح اكبر على المحيط العربي، وازعم ان قادة عراقيين من كل الاطراف تحدثوا بشكل لائق ومسؤول ضمن هذا الاطار.
واعني بالمساعدة التي تخص اكثر من طرف، ان يساعد الخليجيون اصدقاءهم في العراق، وخصومهم او الاطراف التي ترتاب من الدور الخليجي بعامة، مساعدة تدفع خيوط الوصل وتقلل اسباب الجفاء.
السياسة في بغداد مليئة بالأخطاء وسوء التقدير، لكن ماذا عن الاخطاء الاخرى؟ فبقاء السعودية بشكل خاص، تنتظر تغيرا جذريا، هو امر لن يكون مضمون النتائج. اما اذا اقبلت واتخذت خطوات تقارب واضحة، وتعاونت وتنازلت كجزء من تغيير مسؤول اقليمي، فإنها ستشجع اصواتا مهمة في العراق للمطالبة بتصحيح اكثر جدية في الداخل والخارج، ادراكا لحقيقة ان الوضع الحالي بين الطرفين غير مقبول، ولا يمكن ان يبقى على هذا النحو.
التقارب مع الخليج وغير الخليج، لن يضع حدا نهائيا لمشاكل العراق والمنطقة، لكننا نعيش مرحلة ليست فيها احلام بحل الأزمات بالكامل، وقصارى ما نريد هو تخفيف كوارثنا، فالتطرف الديني المسلح مثلا لا يمكن القضاء عليه، والمعقول هو تطويقه. وكسر الحواجز النفسية المطلوبة لهذا، يبدأ من كسر السلبية السعودية بشكل خاص.
اننا نكتب على ابواب العيد. وفي الاضحى السالف ختمت مقالي بهذه العبارة وانا اتابع الادب الفارسي في العصر الوسيط : لقد تنبه النقاد الى ان وردة شقائق النعمان (لاله زار) ظلت تحمل الكأس ٤٠ عاما، في قصائد حافظ الشيرازي، اذ يقوم بالتغزل بها في اوضاع متعددة وهي تحتسي الصهباء، على يسار الدراويش، وعلى يمين الشعراء. لكن الاحتفال بالكأس لم يكن طرباً لنبأ مفرح، ولا طلباً لمرتبة في العرفان، بل لمواجهة انسداد الزمان والضجر المتأتي من انتظار الحكمة.
عيدكم مبارك. وعساكم من عواده.

وسوم :