داء النسيان وباء سياسي

واثق الجابري

حرائق تتدافع وهي تطوف المنطقة الأقليمية، ولا سلامة لمن لا يجيد التحرك بحكمة وحذر، في أخطر تحد تواجهه الشعوب العربية منذ مئة عام، وهي تبحث عن نفسها وثقافتها ووعيها، تفتش عن الحرية بمفاهيم الإستقرار الأمني والمجتمعي والإقتصادي، تهرب من الموت في زمن السحل والتمثيل بالجثث، تُريد تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
حلم أن يُرسم على وجه الوطن حدائق وأطفال وطيور سلام، ومواطن سعيد يخرج ويعود من العمل، شرط أن يجيد الماسكين بالفرشاة، خطوط طريق الورود المعبد بالسلامة والعيش الرغيد.
تصارعت الأيادي وأسقطت الغيوم السوداء، أمطاراَ على ألوان لم يجف نزيفها، شوهتها إطروحات أضاعت شكل الوطن، على قاعدة لا تزال تعيش عذابات، مَرّةً بإسم الإستعمار وأخرى بالفتوحات، فمن دكتاتورية وقائد أوحد ونخبة عساكر المقربين والحزب، الى أحزاب فرطت العقد المجتمعي ومزقت القواعد.
مشاهد لم يتصورها أحد وقصص من تحت الأرض، عذابات وأهات وأمال معلقة، تنتظر فرج الخلاص من الدكتاتورية وقدوم الفاتحين بلباس الوطنية، كمد بحر قذفنا في أرض صحراء خلطت الأخضر واليابس والغث والسمين، يلبسون ثوبنا ويتحدثون بأسم مظلوميتنا، في حالة ضبابية وصراع الأفكار الوافدة وإعوجاء الدخيلة وصمود الأصيلة، وتعدد التطرف والقتل الذي هدم المؤوسسات وقتل الشباب وهدر الموارد؛حتى تسيطرجماعة تحكم بمصير المجموع.
منحدر خطير لوليد خديج لا يجيد القراءة، مشوه منحرف الى الحزبية والقبلية والطائفية، منكفأ على النفس يصادر منجزات الشعوب، وأرضية خصبة لنمو المتسلقين بأسم الديمقراطية على ماضي التضحيات؛ بإجتهادات منقوصة العقيدة نفعية على حساب المحرومين، والفروع والهجائن على الإصول.
التعاون بين الشعوب والحكام وقيادات المجتمعات حاجة ملحة؛ لإنتاج فكر جديد قادر على عبور الطوائف والقوميات والتعدديات والأديان، والمعتقدات والمصالح الضيقة, وبناء منظومة عمل مشترك على المستوى الأقليمي والمحلي والقومي والديني، وإسترجاع روابط دول المنطقة الجغرافية والتاريخية والحضارية والثقافية والمستقبل والمصير المشترك, بعد التقسيم قومياً و طائفياً، وإنقسام المجتمع إلى متضرر ومنتفع.
الحياة لا تستقيم الاّ مع الصواب ودفع الخطأ ومحاربة التشوه، في أصعب إختبار للنفس والثقافة والوعي، لأن الشعوب وقودها الحرية وطريقها الكرامة، وأن إحترق ما تحت أقدامها.
ربما نجزم أن الأمل صار خيطاً رفيعاً، وتلك الصورة التي رسمت للعراق الجديد، لم تكن سوى نسج من الخيال، وإننا لم نتقدم بقدر ما تراجعنا خطوات، لأن داء النسيان وباء سياسي، أعراضه كثرة الحجب والحواجز التي تمنع الإلتفات، حتى تنكر المحرومين و لا تسمع أهات المظلومين، ورفقاء الدرب ومن كان يقاسمهم رغيف الخبز، ومِنْ يصر أن يرى بعين غيره، سوف يرى صورة رسمت بأيادي شخصية، ولا يسمع إلاّ صدى صوته.

 

وسوم :