خرافة حرب الدول السلفية على الجماعات السلفية

د. حامد العطية

غالبية حلفاء أمريكا في حربها على الإرهاب يتعبدون بالمذهب السلفي، فالوهابية السلفية هي الدين الرسمي في السعودية وقطر، ولا تكاد تسمع بمذهب سني آخر نشيط في الكويت والإمارات غيره، والبحرين تحت الاحتلال الوهابي السلفي، وبالأمس أفرجت الحكومة الأردنية عن الزعيم السلفي أبو قتادة، وهي أحد المصدرين الرئيسيين للإرهابيين السلفيين إلى العراق وسورية، ويتبنى ملكها الخطاب السلفي الطائفي في التحريض على الشيعة. القتال بين السلفيين ليس بالمحال، وقد حدث ويحدث، قبل أقل من قرن تمرد جيش الأخوان الوهابي على عبد العزيز بن سعود، بسبب رفضه مواصلة القتال خارج حدود الجزيرة العربية واجتثاث الشيعة بسبب تخوفه من الارتدادات السلبية لذلك على مملكته الجنينية حينذاك، ولم تتردد حكومة السعودية في الاستعانة بقوات أجنبية في القضاء على جماعة جهيمان السلفية التي احتلت الحرم المكي أوائل ثمانينات القرن الماضي، والتنافس بين السلفيين في السعودية وقطر قديم، وله بعد قبلي، واليوم تتقاتل الجماعات السلفية في سورية. لم تقاتل الدول الخليجية السلفية جماعات إرهابية سلفية خارج حدودها من قبل، لا في أفغانستان ولا الباكستان أو الصومال أو شمال أفريقيا، ولم تقدم من قبل أي نوع من أنواع الدعم لجهود مكافحة الإرهاب، لا بالسلاح أو المال أو الدبلوماسية أو الإعلام. لم تشهد أي من الدول الخليجية عمليات إرهابية، نفذتها جماعات سلفية، شبيهة في ضراوتها بما يحدث في سورية منذ ثلاثة أعوام أو العراق على مدى عقد من السنين، استهدفت القوات المسلحة والمدنيين، وسقط ضحيتها عشرات الألاف من القتلى والجرحى، وأدت إلى تخريب منشآت حيوية وأملاك عامة وخاصة، ولكن وقعت تفجيرات في السعودية ومحاولات اغتيال مزعومة وحملات لقوى أمنية سعودية ضد أهداف “إرهابية”. توجد أسباب كافية للتشكيك بصحة المزاعم السعودية حول كونها مستهدفة بالإرهاب، ومن المؤكد حدوث خمس عمليات اقتحام وتفجير كبرى أوائل هذا القرن، أربعة منها في الرياض وواحدة في الخبر، وبالتحديد في مجمعات سكنية، ومنها مجمع المحيا في الرياض والواحة في الخبر، وجميع ضحاياها تقريباً هم عرب مسلمون وقلة من الأجانب، ومن الواضح أن من قام بهذه التفجيرات تعمد عدم إراقة دماء سعودية، ومن بين ثلاث محاولات للهجوم على منشآت أمنية في الرياض لم تنجح سوى واحدة في قتل أربعة من شرطة المرور، كما أفشل حراس أمن مصفى للنفط في المنطقة الشرقية ما وصفت بأنها عملية إرهابية، وتناقلت وسائل إعلام سعودية رواية عن محاولة اغتيال وكيل وزير الداخلية في 2009م الأمير محمد بن نايف (وزير الداخلية منذ 2012م) باءت بالفشل، وقتل عدد قليل جداً من رجال الأمن في عمليات ومطاردات قيل أنها مع إرهابيين. تدعي حكومة السعودية بأنها مستهدفة من الإرهابيين، لكن الاحصائيات المتوفرة عن عدد العمليات الإرهابية على مدى حوالي ربع قرن لا تؤيد ذلك، إذ أن عددها قليل وغالبية ضحاياها مدنيون من غير السعوديين، ولم يكن لها أي تأثير على أوضاع السعودية الداخلية، وهنالك من بين السعوديين أنفسهم من لا يصدق روايات الحكومة السعودية حول هذه العمليات الإرهابية المزعومة، وقد استمعت بالصدفة لتشكيك أحد السعوديين بصحة محاولة تفجير مصفى النفط في أبقيق، كنت وقتها موظفاً في مؤسسة سعودية، مرغماً لا مختاراً، بسبب جور العراقيين، مرضت فقصدت عيادة طبيب سوري، في غرفة الانتظار ثلاثة سعوديون، دار بينهم نقاش محموم، جاء دور أحدهم للمعاينة وبقي اثنان، خاطب أحدهما الثاني بأنه غير مقتنع تماماً بما قاله مواطنهما الثالث حول تلفيق الحكومة السعودية لرواية محاولة تفجير مصفى النفط في أبقيق واقتناعه التام بأن الحكومة السعودية كاذبة، عباءة أو بشت السعودي مطوي بعناية على المقعد بجانبه، مؤشر على رقي مرتبته الاجتماعية، يحرص عليه القبليون النجديون خاصة، عاد للحديث عن حكومته والإرهاب، فقال مخاطباً مواطنه بأنه لا ينكر قيام الحكومة السعودية بتزوير سجلات ووثائق لإبعاد تهمة الإرهاب عنها، فبعد هجوم الحادي عشر من أيلول الإرهابي أمرت الحكومة السعودية إدارة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (مختصة بتدريس العقيدة الوهابية الحنبلية السلفية) بشطب أسماء المتورطين في العملية من سجلاتها قبيل وصول وفد أمريكي للتحقيق في صلة السعودية بالإرهاب، وعندما وصل الأمريكيون كانت أسماء الإرهابيين قد محيت من سجلات الجامعة. اما العمليات الصغيرة والمحدودة التي راح ضحيتها عدد قليل من رجال الأمن فقد صورتها وسائل الإعلام السعودية بأنها إرهابية، لكن هنالك من يؤكد بأنها مجابهات بين قوى الأمن ومهربين للخمور والمخدرات، وفي ظل غياب تحقيق مستقل يصعب التأكد من الحقيقة، لكن سجل السعودية وإعلامها المسير يرجح تلفيقها للروايات لتقديم المزيد من الأدلة على كونها ضحية للإرهاب. بالإضافة إلى قلة الشواهد على استهداف الإرهاب للسعودية ووجود شكوك قوية حول صحتها وضآلة خسائر السعودية والسعوديين من العمليات الإرهابية المزعومة تتراكم الأدلة على ضلوع حكومة السعودية ومؤسساتها الدينية والكثير من مواطنيها في دعم الإرهاب، بالمال والسلاح والإعلام والفتاوى الدينية والرجال، وهذه الأدلة من مصادر عديدة، وبعضها مستقل، ومن حلفاء للسعودية، وآخرها كان فلتة لسان من نائب الرئيس الأمريكي جوزف بايدن، والتي اتهم فيها السعودية والإمارات وتركيا بمساعدة الإرهابيين في سورية، فمن هو أجدر بالتصديق الحكومة السعودية التي تدعي مشاركتها في الحرب على الإرهاب وتقدم أدلة واهية وغير وقنعة على ذلك أم هذا العدد الكبير من الأدلة على كونها راعية وممولة ومصدرة للإرهاب؟ من قبل كلام نائب الرئيس الأمريكي بايدن الصريح كانت أمريكا حريصة كل الحرص على نفي تهمة رعاية الإرهاب عن حلفائها الخليجيين والأتراك، وفي الوقت الذي كانت تتهم شيعة العراق بتهميش السنة، وهي تهمة لا أساس لها من الصحة، وتبرر لجوء السنة للإرهاب البربري في العراق تتغاضى عن سحق حكومة البحرين لحقوق الشيعة في البحرين واضطهاد حليفها السعودي للشيعة وغيرهم من الأقليات المذهبية في السعودية، ومجموع هذه الحقائق يدفعنا للتشكيك في صدق وجدية التحالف الأمريكي الغربي الخليجي لمحاربة داعش برمته، إذ من المحال أن تكون مشاركة الدول الخليجية سوى مسرحية للتغطية على دورها في دعم الإرهاب، وأمريكا نفسها متهمة بغض النظر عن نشوء وتمدد تنظيم داعش الإرهابي من خلال إضعافها للحكومة المركزية العراقية ودعمها للجماعات المسلحة في سورية، ولو كان في العراق قيادة وطنية مخلصة للعراق لا خاضعة للتوجيهات الأمريكية لاتخذت السياسات والقرارات الجريئة للتصدي للإرهاب، ولا ننسى أن الجيش العراقي الفاشل في التصدي للعصابات الإرهابية صناعة أمريكية خالصة من حيث القيادة والتدريب والتسليح، وقد حرمته أمريكا عمداً من الحصول على طائرات مقاتلة وصواريخ ومدفعية ميدان ودفاعات جوية متطورة نزولاً عند رغبة الصهاينة وحكومات الخليج الراعية للإرهاب، ولم تستجب لاستنجاد الحكومة العراقية لضرب الإرهابيين قبل دخولهم العراق، فكيف نصدق أن أمريكا وحلفاءها جادون في محاربة داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الإرهابية؟ لنحتكم للحقائق والمنطق، التحالف الذي انعقدت أواصره في السعودية يضم أمريكا ودولاً غربية سائرة في ركابها ودول خليجية متهمة برعاية الإرهاب، ولدينا أدلة على أن دول الخليج في هذا التحالف راعية وممولة للإرهاب، وأمريكا أضعفت العراق حتى أصبح موئلاً ومقراً للإرهابيين، وأضف إلى ذلك النفوذ الكبير لحكام الخليج على القبائل السنية في شرق العراق وغرب سورية حيث تمدد إرهابيو داعش، ولا نتيجة منطقية لهذه الحقائق سوى الميل إلى أن ادعاء التحالف الأمريكي والخليجي محاربة الإرهاب غير قابل للتصديق، وبالتالي فهو بطريقة وأخرى يهدف إلى إطالة عمر الإرهاب السلفي التدميري في العراق وسورية وامتداده إلى دول عربية وإسلامية أخرى خدمة للأهداف الغربية الصهيونية التخريبية. (للإسلام غايتان عظمتان هما الإحياء والإصلاح ووسيلة كبرى هي التعلم) 9 تشرين الأول 2014م

وسوم :