الأكثر مشاهدة

زعماء العوالم المجازية

سرمد الطائي
كتبت مطلع الأسبوع عن مؤتمر مناهضة الكراهية الدينية والطائفية الذي نظمته الأمم المتحدة في تونس وكنت ضمن المشاركين فيه، ولا أتمنى الآن سوى ان نفتح هذا الحوار على شكل مؤتمر دائم الانعقاد يتجول في مدننا يحاول تصحيح الاستفهامات، لا لكي ندافع عن طرف ضد طرف، بل لكي نساعد الأناس الطيبين من كل الأطراف، على حماية انفسهم من الانجرار وراء نتائج شريرة تنتهي اليها طيبتهم المندفعة.
ومن القضايا المثيرة التي تضمنتها تقارير فرق رصد من بلاد العرب، مشكلة المعلومات الخاطئة او المفبركة التي يجري تمريرها عبر الانترنت، فتنتشر لان الجمهور ليس لديه وقت ولا تمرس كي يميز دوماً، بين خبر محترف وآخر مفبرك، وتفيد التقارير ان نسبة كبيرة من تغذية الكراهية، تعتمد على نشر المبالغات والأكاذيب، لزيادة شيطنة الطرف الاخر.
وبينما نحتاج للتفكير في احتواء هذا، يناقش المشاركون”الحرب الحقيقية”التي تجري في العالم المجازي ومواقع الانترنت. وهناك من قال بلوعة: ان علينا ان نتصل بالأشخاص المؤثرين في فيسبوك، أولئك الذين يتابع كل واحد منهم، اكثر من خمسين الف شخص، كي نحاول جمع”زعماء العالم الافتراضي”في مؤتمر او في”مجلس امن العالم الافتراضي”اذ بلغت خطورة دورهم مستوى يحتم وضع قواعد للحرب داخل عوالم المجاز، لأنها حرب لا تخضع لأية قاعدة، بينما تؤثر كل لحظة على الحرب الميدانية. ولتشمل القواعد الملزمة هذه، مالكي الفضائيات التحريضية من كل الأطراف، فخطاب وسائل الإعلام هذه سلاح دمار شامل.
واحدة من محاولات تطويق ذلك هي البدء برصد المحرضين، ونشر بيانات حول دورهم، وذلك عبر ائتلاف نجحت منظمات مدنية في دول كثيرة في إنشائه، وسيكون أمام منظمات من العراق الانخراط في هذا الجهد الإقليمي الذي ترعاه الأمم المتحدة، للبدء بتطويق الكارثة التحريضية، لكنني سألت اكثر من مشارك، حول المجتمع المدني نفسه، اذ هو في كثير من الأحيان، منقسم طائفيا، وهو جزء من التحريض، حتى لو لم يقصد التحريض، بل انخرط في انفعالات تتحول الى خطاب كراهية.
ورغم ان المرض الفتاك يجتاح الناشطين انفسهم أحيانا، لكن علينا ان لا ننسى الإشادة بجهود نساء ورجال يكافحون خطاب الكراهية ويتجاوزون انتماءهم الفئوي، وقد سرد بعضهم لنا العذابات، وكيف احرق المسلحون منازلهم بتهمة الخيانة، في بلدان شتى، لانهم اصروا على فضح خطابات التحريض.
هؤلاء المنخرطون في جهد مدني، يضحون بأشياء كثيرة مدركين ان الانحياز لطوائفهم أثناء ارتكابها الخطأ، سيغري طوائفنا الطيبة بمزيد من الأخطاء وسيبدد معنى المجتمع الحديث الذي نريده نظاما ثقافيا وأخلاقيا يوفر العدالة، ويقضي على التمييز، بوصف هذا أسلوبا وحيدا لإنقاذنا من الدمار الذي بدأ يحتد وينفلت.
اخر ملاحظة وددت تسجيلها، هي ان الدنيا لم يعد لديها وقت، بينما لدى العرب وقت طويل. فالمتحدث الأجنبي قام بتطوير أسلوب الكلام والعرض، وهو بمثابة مهندس ديكور يصمم هيكل الفكرة بسلاسة الرياضيات، ويشدك اليه بصور على الداتا شو، ويقول في عشر دقائق ما يتطلب قوله ساعتين، تساعده”شيفرة لغوية”واصطلاحية متطورة، حيث يتولى الأذكياء ابتكار طرائق اسرع واسلس للتفاهم، ستساعد البشر على فهم بعضهم بنحو اسهل، وتقليل أسباب الكراهية في النهاية.
اما المتحدث العربي فانه لايزال يحتاج ان يتحدث ساعتين عن عيون حبيبته، لكي ينتقل لاحقا لوصف مشكلة في سرج الحصان، فبعض المشاركين في المؤتمر غرقوا في المقدمات الطويلة، التي لم يبذل صاحبها جهدا في هندسة فرضيتها وفكرتها لإيصالها بسهولة ودقة. ان غرقنا في المطولات خلق الملل واليأس، والكراهية حصيلة العجز عن التفهيم والغرق في يأس الإطالة. وأرجو ان لا أكون من هؤلاء في هذه المقالات التي اختصرتها الى نصف الحجم المعتاد بعد كفاح لغوي دام سنوات!

 

وسوم :