الأكثر مشاهدة

تأملات في القران الكريم ح240 سورة الحج الشريفة

حيدر الحدراوي
بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ{23} الآيات الكريمة السابقة تكلمت عن الكفار وما ستؤول اليه عواقب امورهم , اما الآية الكريمة فسلطت الضوء على الجانب المشرق “المؤمنين” ( إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) , اهل الايمان والعمل الصالح , ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) , بساتين كثيرة , تجري فيها انهارا مختلفة , ( يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً ) , يبين النص المبارك ان حلية اهل الجنة الذهب المرصع باللؤلؤ , ( وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ) , كما ويبين النص المبارك ان لباس اهل الجنة الحرير . وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ{24} تبين الآية الكريمة عنهم ان الله تعالى هداهم الى طريقين : 1- ( وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ) : ان الله هداهم الى طيب القول , ما ينعكس القول فيه على العمل , فأن اطيب القول ما كان له اثرا في التطبيق . 2- ( وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ) : كما ويبين النص المبارك ان الله تعالى هداهم الى طريقه المحمود , حيث العاقبة الحسنة . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ{25} تبين الآية الكريمة مؤكدة ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) , كفروا بالله تعالى وكذبوا بما جاء به الرسول الكريم محمد “ص واله” , ( وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) , يمنعون الناس عن الايمان به جل وعلا وطاعته , ( وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) , وكذلك يمنعون المسلمين عن الكعبة , ( الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء ) , الذي جعله الله تعالى منسكا ومكانا للتعبد , ( الْعَاكِفُ فِيهِ ) , المقيم , ( وَالْبَادِ ) , من هبّ اليه في طارئ , ( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) , ومن عدل عن القصد بغير وجه حق , ( نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) , ليس له سوى العذاب الاليم . مما يروى في سبب نزول الآية الكريمة انها نزلت في قريش , عندما منعوا الرسول الكريم محمد “ص واله” عن مكة . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ{26} تشير الآية الكريمة الى ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ) , بينا له مكان البيت العتيق ليبنيه , ( أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً ) , المعلوم ان ابراهيم “ع” لم يشرك بالله تعالى , فما معنى النص المبارك ؟ , هناك عدة وجوه للجواب : 1- ان يكون المعنى بالنص المبارك اتباع ابراهيم “ع” . 2- ان يكون المعني ابراهيم “ع” وكل من قصد البيت العتيق حاجا او معتمرا ان يترك خلفه كل العوالق الدنيوية , وان يقبل على الله تعالى بقلب ليس فيه شيئا من شوائب الدنيا . ( وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ) , من الاوثان وكافة انواع النجاسات الظاهرية والباطنية , ( لِلطَّائِفِينَ ) , لمن يطوفه طالبا وجهه عز وجل , ( وَالْقَائِمِينَ ) , القائمين به او المقيمين فيه , ( وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) , المصلين . وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ{27} الآية الكريمة تخاطب ابراهيم “ع” ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ ) , نادي فيهم , ( بِالْحَجِّ ) , تدعوهم الى الحج , ( يَأْتُوكَ رِجَالاً ) , جمع راجل اي مشاة , ( وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ) , والبعض الاخر يأتون راكبين على الجمال , و ( ضَامِرٍ ) هو البعير المهرول الذي انهكه السفر وطول المسافة , ( يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) , يأتي الجميع , المشاة منهم والركبان , من كل طريق مترامي الاطراف . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ{28} تستمر الآية الكريمة في موضوع سابقتها ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) , منافع دنيوية و آخروية , ( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ) , عند الذبح , ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ) , يبيح النص المبارك الاكل من الذبائح , وكذلك امر بإطعام ذوي الفقر الشديد منها . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ{29} بعد ذلك تبين الآية الكريمة ( ثُمَّ ) , عليهم ان : 1- ( لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ) : يزيلوا اوساخهم , وهي قص الاظافر والشارب وحلق الرأس . 2- ( وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ) : من الهدايا والضحايا , ومناسك حجهم على اراء اخرى . 3- ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) : على بعض الآراء هو طواف الافاضة , وعلى اراء اخرى طواف النساء . هناك عدة اراء حول سبب تسمية الكعبة بالبيت العتيق , نذكر منها : 1- ( بالبيت العتيق ) أي القديم لأنه أول بيت وضع للناس . “تفسير الجلالين للسيوطي” . 2- عن الباقر عليه السلام إنه سئل لم سمى الله البيت العتيق قال هو بيت حر عتيق من الناس لم يملكه أحد . “تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني” . 3- عن الصادق عليه السلام سمي البيت العتيق لأنه اعتق من الغرق . “تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني” . ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ{30} تبين الآية الكريمة مشيرة ( ذَلِكَ ) , الامر الذي تقدم , هو مما اوجبه الله تعالى عليكم , فينبغي لكم ان تعظموه , ( وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ ) , احكامه وكل ما لا يحل انتهاكه , ( فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ) , ثوابا , ( وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ ) , اباحة الاكل منها , ( إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ) , باستثناء ما يتلى عليكم تحريمه كالميتة وما اهل لغير الله تعالى , ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ) , يختلف فيها المفسرون , فمنهم من يرى : 1- ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) من للبيان أي الذي هو الأوثان . “تفسير الجلالين للسيوطي” . 2- اجتنبوا ما يذبح للأوثان , وكل ما يتعلق فيها من هدايا وغيره . 3- هو الشطرنج . “تفسير البرهان ج4 للسيد هاشم الحسيني البحراني , تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني ” . ( وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) , امر باجتناب قول الزور , يختلف المفسرون ايضا في قول الزور , فمنهم من يرى انه : 1- ( واجتنبوا قول الزور ) أي الشرك بالله في تلبيتكم . “تفسير الجلالين للسيوطي” . 2- شهادة الزور . “تفسير الجلالين للسيوطي” . 3- قول الزور هو الغناء . “تفسير البرهان ج4 للسيد هاشم الحسيني البحراني , تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني ” . حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ{31} تستمر الآية الكريمة في بيانها ( حُنَفَاء لِلَّهِ ) , خالصين لله تعالى , طاهرين مما سواه , ( غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ) , لا يشركون به جل وعلا , وهو تأكيد لما سبق , ( وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ ) , ثم ان النص المبارك يصف حال المشرك بالله تعالى بمثالين : 1- ( فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ ) : يصف النص المبارك حال المشرك كمن سقط من السماء , لأنه يكون قد سقط من ذروة الايمان الى اسفل حضيض الكفر , فتناولته الطيور , تمايله يمينا وشمالا , وذلك لان الافكار والتيارات المنحرفة تشتت افكاره ترمي به من نظرية الى اخرى , فيصبح غير مستقر الفكر , وليس له رأي ثابت . 2- ( أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) : يصف النص المبارك حال المشرك بمثال اخر , زيادة في تقريب الموضوع الى الاذهان , فيكون كمن تجرفه الرياح وتسقطه في مكان بعيد عن الحق الثابت , والاستقرار الكامن في الايمان . ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ{32} تشير الآية الكريمة ( ذَلِكَ ) , ما امر الله تعالى به من الايمان به توحيده وعبادته جل وعلا , ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ) , معالم دينه , ( فَإِنَّهَا ) , فأن تعظيم تلك الشعائر , وهي البدن التي تهدى للحرم بأن تستحسن وتستسمن “تفسير الجلالين للسيوطي” , ( مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) , لأصحاب القلوب المتصفة بالتقوى . لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ{33} تستمر الآية الكريمة في بيانها ( لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ) , كركوبها عند الضرورة على ان لا يثقل عليها , وكذلك يمكن الانتفاع بلبنها على ان لا يهلكها حلبا … الخ , ( إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) , حين الذبح , ( ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) , حيث محل ذبحها .

وسوم :