الاثنين - 26 سبتمبر 2022

الانحطاط الأخلاقي في المجتمع العراقي: حالة واقعية صادمة

منذ 8 سنوات
الاثنين - 26 سبتمبر 2022

د. حامد العطية

كنت أظن أن ليس هناك أسوء من ذلك المحامي العراقي الذي وكلته للدفاع عني فانقلب علي، انحاز إلى خصمي، وتوكل عنه ليسلبني النزر اليسير من حقوق متبقية، لم يطلها بعد ظلم الحكام وطمع الأقارب، ولم يثنه عن ذلك كفران ذلك الخصم بكل ما يعتقده معظم العراقيين مقدساً، صدقا أو تظاهراً ونفاقاً، قيل لي بأن لمحامي الشيطان هذا مدونة يكتب فيها عن الأخلاق الحميدة، وهي صفاقة متناهية، ومكتب هذا المحامي لا يبعد سوى بضعة أزقة من مكاتب مراجع الدين في النجف، لكن جيرتهم لم تحمله على التمسك بالعدالة والنزاهة. في كل دول العالم تتضمن القوانين وقواعد المحاماة الأخلاقية ما يعرف بمبدأ النهي عن تضارب المصالح، الذي يحرم توكل المحامي عن خصم موكله الحالي أو السابق، لما قد ينطوي عليه من استفادة المحامي من معلومات موكله الأول التي حصل عليها لصالح قضية الخصم، ويرد ذكره في قانون المحاماة العراقي، وعلى وجه التحديد المادة (61) منه، ولكن هذا المحامي لا يكترث لقانون أو عرف أو أخلاق، فهو فعال لما يريده جشعه، ولا يسائله قاض أو نقابة. بالأمس سمعت من مصدر موثوق ما يؤكد لي بأن هناك من هو أسوء أخلاقاً من هذا المحامي، أو بالأحرى هي محامية، وعراقية أيضاً، وكلتها زوجة مهجورة لخمس سنوات، لتدعي على زوجها بالتفريق ونفقة متأخرة لعياله، كل ما تطلبه لا يزيد كثيراً على خمسة ألاف دولار أمريكي، اثنان مؤخر صداقها وثلاثة نفقة عيالها، تأخر القاضي عن الحضور فجلست محامية الزوجة المظلومة تتحدث مع والد الزوج المدعى عليه، وتصادف وجود مصدري الموثوق بجوارهما، بعد أن نصحت المحامية الأب بإقناع ولده بدفع المبلغ المطلوب دافع الأب عن ولده لأنه على حسب تعبيره تخلص من عبء زوجته الأولى واتخذ زوجة ثانية ذات مال، على ما يبدو فإن ذكر المال قد حرك أطماع المحامية: أعطني خمسمائة ألف دينار (اقل من خمسمائة دولار) وأنا سأتكفل لك بموكلتي وأضع أحفادك في حضنك. هذا الكلام عن استعدادها لخيانة ثقة موكلتها وهدر شرفها المهني لم تهمس المحامية به لئلا يسمعه مصدري الموثوق أو غيره من رواد المحكمة، ولم تكتبه على قصاصة ورق بعيداً عن عيون المتطفلين، بل قالته جهاراً. تشترط المادة الرابعة من قانون المحاماة العراقي لممارسة المحاماة أداء القسم التالي: (اقسم بالله العظيم إن أودي عملي بأمانة وشرف وان احترم القانون وأحافظ على سر المهنة وأرعى تقاليدها وآدابها) ولكن هذه المحامية خانت الأمانة وأهدرت الشرف وخالفت القانون وافشت الأسرار، وأخلت بالتقاليد وناقضت كل مبادئ الأخلاق والقيم والأدب. القضاء سلطة، من أصل ثلاث سلطات في المجتمعات الحديثة، وله دور حيوي في استقرار وتطور المجتمعات، من خلال اصلاح النظم القانونية وتطبيقها بنزاهة، ويمكن التعميم بأن المجتمع يكون صالحاً بدرجة صلاح نظامه القانوني والعاملين فيه، واستقلالية السلطة القضائية ضرورية، حتى لا تصبح أداة بيد الحكام وأصحاب النفوذ، ومن متطلبات نجاحها وحفاظها على استقلالها توفر آليات لتصحيح الانحرافات في مسارها وإصلاح أخطاء المنتسبين لها، وعلى الرغم من أن حالتين واقعيتين لا تكفيان للتوصل إلى تعاميم وأحكام لكنهما دالتان على وجود خلل في النظام القضائي والحقوقي في العراق، ويتخوف من نتائج هذا الخلل على تطبيق القوانين ومبدأ العدالة، وما ينتج عن ذلك من مشاعر سلبية تجاه القضاء والدولة والمجتمع. ومن المفترض أن تكون قيم الإسلام مؤثراً رئيسياً في فكر وسلوك غالبية سكان العراق، لكن سلوك هذين المحامين لا يخالف مباديء القضاء فحسب بل أيضاً قيم الدين السامية والأعراف الإنسانية، ولا يصدر إلا عن نفس خسيسة، تحركها الأطماع والشهوات الدنيئة، وتغلب أهواءها على قيمها إن كانت لها قيم أصلاً، فهي متجردة من مشاعر التعاطف الإنسانية، والتي يعتبرها علماء النفس الصفة الأساسية والمميزة لبني البشر، ولا تخلو منها أو تكاد سوى الشخصية السادية المنحرفة، وعلى الرغم من كون محامية الزوجة المهجورة أمرأه لم تتعاطف مع موكلتها، ولوكان في قلبها قليل من رحمة الأمومة لأشفقت على الأبناء الذين هجرهم الأب وحرمهم من عطفه ورعايته، وهي فاقدة للشرف بكل معانيه إذ أبدت استعدادها لخيانة موكلتها من أجل حفنة من الدولارات. المحامون من صفوة المجتمعات، فهم من أصحاب الشهادات الجامعية والخبرات المهنية والمعرفة التفصيلية بالقوانين المحلية والعالمية، ويعول عليهم وغيرهم من النخب في تطور المجتمعات وانتشالها من التخلف إلى التطور واحترام القوانين، وحدوث العكس من ذلك مؤشر مقلق، إذ بدلاً من أن تتولى هذه النخبة دورها الإيجابي في المجتمع نجدها تدفعه وبشدة نحو الهاوية، والعراق اليوم على حافة الهاوية إن لم تكن مرحلة السقوط قد بدأت بالفعل، قادته السياسيون فاسدون ومخربون ومختلسون وصفوته الاجتماعية قبلية ومتخلفة وتقسيمية ومؤسساته الدينية عاجزة أو طائفية مدمرة، وقد تفشت الرشوة والمحسوبية بين موظفيه الحكوميين، فلا يبقى من بصيص أمل بالخلاص إلا في نخبه المثقفة، ثم نفاجأ بهاذين المحامين وغيرهما، وقد وصلتهما عدوى الفساد واقتراف المنكرات من الذين لا يرون في هذا الوطن وأهله سوى فرص للنهب والاغتصاب والاستغلال. لا تتعجبوا من سيطرة الإرهابيين ولا تتذمروا من تسلط الساسة الخائنين ولا من إثراء أصحاب المهن والنخب الفاسدين، وهي كلها مؤشرات على تدهور نظام القيم والأخلاق في المجتمع، وعندما تتدهور القيم والأخلاق فلا بد أن يضعف المجتمع ويفقد مناعته حتى أمام شراذم السفاحين المحليين والوافدين. العراق كله بحاجة إلى صحوة قيمية وأخلاقية، فإن لم تكن أنفس العراقيين لوامة فلا يلوموا إلا أنفسهم لو تسلط عليهم شرارهم. (للإسلام غايتان عظمتان هما الإحياء والإصلاح وسيلة كبرى هي التعلم) 28 تشرين الأول 2014م
Spam | حذف