الاثنين - 26 سبتمبر 2022

مَنْ يُمسك بالفاسدين؟

منذ 8 سنوات
الاثنين - 26 سبتمبر 2022

عدنان حسين
عدا عن الكلام الكثير، المعاد والمكرر الذي سمعناه في فعاليات أسبوع النزاهة الأخير، عن أهمية وجدوى وضرورة ولزوم ووجوب مكافحة الفساد المالي والإداري الذي يعصف بأركان دولتنا على نحو جنوني، وملاحقة الفاسدين والمفسدين والكشف عنهم وتقديمهم الى العدالة، لفت الانتباه ان وزيري الدفاع والداخلية الجديدين قد أعطيا حيّزاً معتبراً لهذه القضية في كلمتيهما عند تسنمهما منصبيهما، بل إنهما تعهّدا على نحو قاطع بتحقيق ذلك وبفتح ملفات الفساد السابق في وزارتيهما.
هذا حسن .. حسن للغاية، فالفساد في هاتين الوزارتين هو أبو الفساد وأمه في دولتنا.. فساد الوزارتين كان ثمنه باهظاً للغاية، أقله أهميةً المليارات المنهوبة من المال العام، فثمة مئات الآلاف من الأرواح البريئة قد أزهقها هذا الفساد على مدى عشر سنوات، وأكثر عدداً منها حالات الإصابة بالجروح والإعاقات، فضلاً عن تلف عشرات الآلاف من الممتلكات التي لا تقدّر قيمتها بثمن، إضافة الى ان العديد من فاسدي هاتين الوزارتين بالذات يوفّرون الحماية والملاذ للكثير من فَسَدة الوزارات والمؤسسات الأخرى.
تعهد الوزيرين الجديدين أمر جيد، بيد ان الأجود منه أن نرى منهما فعلاً على الأرض.. الناس ثقتهم ضعيفة بالدولة لأسباب عدة يقف الفساد في مقدمها، وتدني الثقة هذا هو بوزارتي الدفاع والداخلية أكثر من غيرهما لأنهما يقصّران تقصيراً فاضحاً وفادحاً في ضمان أمن الوطن والمواطن.. والتحدي الحقيقي للوزارتين ووزيريهما الجديدين وللحكومة الجديدة برمتها ولرئيسها أن نرى انطلاقة جادة في ما تعهد به الوزيران.
خطوة من هذا النوع مهمة لاستعادة الثقة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وهذه الاستعادة ضرورية وواجبة ولازمة لردّ عدوان داعش الإرهابي وتحقيق الظفر في الحرب القائمة ضده.
الفساد المالي والإداري في هاتين الوزارتين وسائر مؤسسات الدولة له ألف شكل وشكل وألف صيغة وصيغة، وهو لا يقتصر على دوائر دون أخرى أو وزارات دون غيرها أو على الوزارات دون المؤسسات الأخرى، بما فيها الهيئات الموصوفة بأنها “مستقلة”، وهي ليست كذلك في الواقع.
نعم حتى هذه الهيئات ملوّثة بالفساد بأعلى المستويات. وإليكم مثالاً واحداً، هو أحدث ما وصلتني معلومات عنه منذ أيام.. عضو مجلس ورئيس دائرة مهمة في إحدى أهم الهيئات “المستقلة” التي يتصل عملها بمصير البلاد ومستقبلها وعملية التحول الديمقراطي فيها، مارس ضغوطاً هائلة على عمادة إحدى الكليات الجامعية لتنجيح أخ له ومنحه شهادة البكالوريوس.. ليس هذا فقط، فهو يريد أن يؤرخ التخريج بتاريخ سابق!!! لماذا؟ لأن هذا العضو المؤتمن على مصير البلاد ومستقبلها الديمقراطي كان قد عيّن أخيه الذي يصفه أساتذته بانه بليد ومحدود القدرات، بوظيفة في هيئته “المستقلة” من متطلباتها نيل شهادة البكالوريوس!.. عمادة الكلية في سبيلها لتحقيق ما يريد القيادي في الهيئة “المستقلة”، لأنها وقعت ليس فقط تحت ضغوطه المباشرة المتواصلة، وانما أيضاً تحت ضغوط مسؤولين كبار في الدولة محازبين له.
أي كلام في مكافحة الفساد، وأي تعهد بملاحقة الفاسدين من أي كان، لا قيمة له ما لم تكن المكافحة تامة وشاملة، لا تهمل وزارة أو مؤسسة أو هيئة “مستقلة” ولا تستثني أحداً مهما كان، حتى لو كان قريبه أو محازبه نائباً لرئيس الجمهورية مثلاً.