الأكثر مشاهدة

تأملات في القران الكريم ح241 سورة الحج الشريفة

حيدر الحدراوي
تأملات في القران الكريم ح241
سورة الحج الشريفة
بسم الله الرحمن الرحيم

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ{34}
الآية الكريمة تبين ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ) , يختلف المفسرون في المنسك , فمنهم من يرى انه :
1- الذبح او القربان , او المكان الذي يذبح به , يذهب الى هذا الرأي جملة من المفسرين , منهم الفيض الكاشاني في تفسيره الصافي ج3 والسيوطي في تفسير الجلالين وكذلك ابن كثير في تفسيره .
2- مكان للعبادة , ويذهب الى هذا الرأي جملة من المفسرين ايضا .
3- العيد , على رأي اخر لابن كثير .
( لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ) , عند الذبح , ( فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) , لا اله الا هو , ( فَلَهُ أَسْلِمُوا ) , اخضعوا , انقادوا , اطيعوا , اخلصوا له التوحيد , ( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ) , بشارة منه جل وعلا خالصة للعابدين , المطيعين , بالثواب الجزيل وحسن العاقبة .

الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ{35}
تبين الآية الكريمة صفات المخبتين :
1- ( الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) : خشعت وخافت قلوبهم لما اشرقت عليهم هيبته واشعة جلاله جل وعلا .
2- ( وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ ) : يبين النص المبارك انهم صابرين عند البأس والبلاء .
3- ( وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ ) : مداومين مواظبين عليها , محافظين على اوقاتها .
4- ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) : يبين النص المبارك انهم ينفقون اموالهم في الموارد الواجبة , وكذلك الموارد المستحبة من وجوه الخير .

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{36}
تبين الآية الكريمة ( وَالْبُدْن ) , الابل , ( جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ ) , من اعلام ومعالم الدين , ( لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ) , خير دنيوي وديني , ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا ) , عند النحر , ( صَوَافَّ ) , قائمة على ثلاث معقولة اليسرى , ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) , اذا وقعت على الارض بعد النحر , ( فَكُلُوا مِنْهَا ) , انتم , ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) , ثم اطعام القانع منها وهو الذي يقنع بما يعطى ولا يعترض , والمعتر الذي يعتريك ولا يسألك على رأي , وعلى رأي اخر هو الذي يعترض على ما اعطيته , كأن يطلب المزيد , ( كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ) , بالرغم من حجم الابل و قوتها , سخرها الله تعالى لكم , منقادة لكم , تعقلونها وتركبونها وتنحرونها , ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) , لعلكم تشكرون انعامه جل وعلا عليكم بطاعته والتقرب اليه جل ثناؤه .

لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ{37}
تستمر الآية الكريمة في موضوع سابقتها الكريمة مبينة ( لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا ) , ننقل فيها رأيين :
1- ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ) أي لا يرفعان إليه . “تفسير الجلالين للسيوطي” .
2- ( لن ينال الله ) لن يصيب رضاه ولا يقع منه موقع القبول ( لحومها ) المتصدق بها ( ولا دماؤها ) المهراقة بالنحر من حيث إنها لحوم ودماء . “تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني” .
( وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ) , ليست العبرة بالنحر والتصدق بلحوم الابل , انما العبرة في الامتثال للأمر الالهي والتقرب اليه بالطاعة والعمل , ( كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ ) , كررت لمزيد من البيان والتذكير بالنعمة , ( لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) , لتهتدوا وتعرفوا عظمة قدرته جل وعلا على ما لا يقدر عليه غيره , ( وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ) , بشارة منه جل وعلا خالصة للمحسنين , المخلصين في كل عمل , بالثواب الجزيل وحسن العاقبة .

إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ{38}
تؤكد الآية الكريمة امرين :
1- ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ) : يؤكد النص المبارك ان الله تعالى يدفع الاذى وكيد الاشرار الاعداء المتربصين وغوائل المشركين عن عباده المؤمنين المخلصين .
2- ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) : يؤكد النص المبارك ان من جملة من لا يحبهم الله تعالى ذكره ومجده ( كُلَّ خَوَّانٍ ) , الامانة , ( كَفُورٍ ) , جاحدا لنعمه عز وجل .

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ{39}
تضمنت الآية الكريمة ( أُذِنَ ) , ترخيص بالقتال , ( لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ) , كان المسلون في بداية الدعوة الاسلامية ممنوعين عن قتال المشركين , غير مرخصين به , بل كانوا مأمورين بالصبر على اذاهم , حتى بلغ اذاهم للمسلمين غاياته القصوى , فخرج النبي الكريم محمد “ص واله” مهاجرا الى المدينة , وهناك قويت شوكة المسلمين , وازدادوا عدة وعددا , رخص الله تعالى لهم قتال الكفار , وهذه هي اول اية رخصت بالجهاد وقتال الكفار على بعض الآراء , ( بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) , وقع عليهم الظلم من جهة المشركين , ( وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) , تضمن النص المبارك وعدا للمؤمنين بالنصر , كما وعد نص الآية الكريمة السابقة دفع الاذى عنهم .
( عن الباقر عليه السلام لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتال ولا اذن له فيه حتى نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية وقلده سيفا وفيه وكان المشركون يؤذون المسلمين ولا يزال يجيء مشجوج ولا مضروب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ويشكون ذلك إليه فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزل الله عليه هذه الآية بالمدينة وهي أول آية نزلت في القتال ) . “تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني” .

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ{40}
تستمر الآية الكريمة في موضوع سابقتها الكريمة ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ) , يبين النص المبارك ان من شدة اذى المشركين للمسلمين ان اجبروهم الى الخروج من ديارهم , فهاجروا الى المدينة , ( إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) , وسبب ايقاع الاذى والظلم عليهم والاكراه على الهجرة , انهم يقولن ربنا الله تعالى , وهذا هو القول الحق , بذا يكون كل فعل مضاد له غير حق “باطل” , ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ ) , بالقتال ونحوه , فانتصر المسلمين وتسلطوا على الكفار , ( لَّهُدِّمَتْ ) , باستيلاء الكفار على اهل الملل , ( صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ) , ومنها صوامع الرهبان وبيع النصارى وكنائسهم , ويلحق بها كنائس اليهود , ومساجد المسلمين , حيث كان يذكر فيها اسم الله تعالى كثيرا في التعبد والتهجد , ( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ) , تضمن النص المبارك وعدا منه جل وعلا لكل من ينصر دينه الاسلام , ( إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) , يبين النص المبارك على نحو التأكيد ان الله تعالى قوي على خلقه , منيع في سلطانه وقدرته .

الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ{41}
تضيف الآية الكريمة ( الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ) , بالنصر على عدوهم , وهم المؤمنون , فانهم ان انتصروا وحكموا البلاد :
1- ( أَقَامُوا الصَّلَاةَ ) : مواظبة عليها ومحافظة على مواقيتها .
2- ( وَآتَوُا الزَّكَاةَ ) : الحقوق الواجبة في الاموال , ومنها الزكاة .
3- ( وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ) : يأمرون بكل ما آمر الله ورسوله به .
4- ( وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ) : ينهون عن كل ما نهى الله ورسوله عنه .
( وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) , مرجعها اليه عز وجل , يوم القيامة .

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ{42}
الآية الكريمة فيها نوعا من التسلية له “ص واله” ( وَإِن يُكَذِّبُوكَ ) , قومك , ( فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ) , كل رسول قد كذبه قومه , فتكذيب قومك لك ليس بالشيء الجديد .

وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ{43}
تضيف الآية الكريمة تكذيب قوم ابراهيم “ع” له , وكذلك تكذيب قوم لوط “ع” له , افردوا في اية مستقلة لعدة اسباب منها :
1- عظم خطرهم .
2- استمرار ما اشتهروا به من المعاصي والآثام الى يومنا هذا , بينما معاصي الاقوام السابقة اما درست او لا يزال منها القليل مما لا يكاد يذكر .

وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ{44}
تضيف الآية الكريمة ( وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ) , قوم شعيب “ع” , ( وَكُذِّبَ مُوسَى ) , وكذلك كذب موسى “ع” , مما يروى بهذا الخصوص , ان موسى “ع” لم يكذبه قومه , بل كذبه القبط , ( فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ) , امهلتهم حتى نهاية آجالهم , او بتأخير العقاب عنهم , ( ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ) , بالعقاب , ( فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ) , فكيف كان انكاري بتكذيبهم وكفر النعمة .
حيدر الحدراوي

وسوم :