الأكثر مشاهدة

تأملات في القران الكريم ح242 سورة الحج الشريفة

حيدر الحدراوي
haider_ir@yahoo.com
تأملات في القران الكريم ح242 سورة الحج الشريفة

بسم الله الرحمن الرحيم

فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ{45} تبين الآية الكريمة ( فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ ) , كم من قرية , بيانا للكثرة , ( أَهْلَكْنَاهَا ) , وقع عليها العذاب بالهلاك , ( وَهِيَ ظَالِمَةٌ ) , اي اهلها , ( فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ) , ساقطة حيطانها وسقوفها , ( وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ) , تركت لموت اهلها , ( وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ) , بناء مرتفع خال من سكانه . ( في المجمع وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام في قوله وبئر معطلة أي وكم من عالم لا يرجع إليه ولا ينتفع بعلمه . وفي الاكمال والمعاني وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام البئر المعطلة الأمام الصامت والقصر المشيد الأمام الناطق ) . “تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني” . أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ{46} تضمنت الآية الكريمة تساءلا ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) , اهل مكة بالخصوص , والناس كافة بالعموم , يختلف المفسرون في معنى النص المبارك , فمنهم من يرى : 1- حث لهم على أن يسافروا ليروا مصارع المهلكين فيعتبروا . “تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني” . 2- سؤالا يذّكر مشركي مكة بمسيرهم في رحلاتهم المختلفة , حيث كانوا يمرون في بعضا من اثار تلك القرى التي وقع عليها الهلاك , لا تزال اطلالها باقية , شاهدة بارزة للعيان . ( فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ) , ما يجب ان يعقل , او يعقلون بما نزل بالمكذبين قبلهم , ( أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ) , سماع عبرة واتعاظ , ليتعظوا بما وصلهم من اخبار الامم الهالكة , ( فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ ) , العين الجارحة , ( وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) , لكن العمى الحقيقي هو الذي يصيب العقول , او كما يقول الفيض الكاشاني في تفسيره الصافي ج3 ( أي ليس الخلل في مشاعرهم وإنما أنفت عقولهم باتباع الهوى والأنهماك في التقليد ) . ( عن السجاد عليه السلام إن للعبد أربع أعين عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه وعينان يبصر بهما أمر آخرته فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح له العينين اللتين في قلبه فأبصر بهما الغيب وأمر آخرته وإذا أراد الله به غير ذلك ترك القلب بما فيه ) . وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ{47} تبين الآية الكريمة ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ) , استعجل مشركي مكة وقوع العذاب عليهم , وذلك حينما اخبرهم رسول الله محمد “ص واله” ان العذاب قد اتاهم , فقالوا اين هذا العذاب , ( وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ) , بعض المفسرين كالسيوطي يرى ان ذلك العذاب قد تحقق في معركة بدر , ( وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) , هناك اراء كثيرة حول النص المبارك , منها : 1- ان يوما من ايام الاخرة يعدل الف سنة من سني الدنيا . 2- اليوم بألف سنة كناية عن الكثرة , وليس بالضرورة ان يعني ذلك . 3- بسبب اهوال القيامة والعذاب الذي فيها , يشعر ان الوقت يمضي ببطء , كمثال على ذلك , ان يوما يقضيه المرء في سجن او اي محنة , يعادل الكثير من ايام الرخاء , فأيام الرخاء تمضي بسرعة , اما ايام المحنة يشعر المرء انها تمضي ببطء . وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ{48} تستمر الآية الكريمة في بيانها ( وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ ) , كم من قرية بيانا لكثرتها , ( أَمْلَيْتُ لَهَا ) , امهل الله تعالى اهلها , كما امهلكم يا مشركي مكة , ( وَهِيَ ظَالِمَةٌ ) , مثل ما انكم ظالمون ايضا , ( ثُمَّ أَخَذْتُهَا ) , بالعذاب , ( وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ) , الى حكمه عز وجل يرجع الجميع . قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ{49} الآية الكريمة تخاطب الرسول الكريم محمد “ص واله” ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) , ان يخاطب الناس بدوره “ص واله” , ( إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) , مبينا لهم انه “ص واله” نذيرا منه جل وعلا , واضح الدلالة والمدلول , لا شك في امره ولا ريب . فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{50} تستمر الآية الكريمة في موضوع سابقتها الكريمة مضيفة ( فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) , من آمن بالله تعالى ورسوله الكريم محمد “ص واله” والايمان لوحده قد لا يكون كافيا , فلابد من العمل الصالح , لتمام الاجر , عند ذاك يكون لهم : 1- ( لَهُم مَّغْفِرَةٌ ) , مغفرة لذنوبهم . 2- ( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) : الجنة , حيث لهم فيها من كل شيء , وكل ما يطلبون . وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ{51} تستمر الآية الكريمة في موضوع سابقاتها , وهذه المرة مسلطة الضوء على الجانب المعاكس للمؤمنين ( وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا ) , ردا لها , محاولين ابطالها بشتى الوسائل , ( مُعَاجِزِينَ ) , فيها عدة اراء منها : 1- يحاولون تثبيط عزيمة كل من اتبع الرسول الكريم محمد “ص واله” , بأن ينسبوه الى العجز والضعف وعدم المقدرة . 2- ظانين مقدرين عجز الله تعالى عنهم , تعالى عن ذلك علوا كبيرا . 3- معاجزين بمعنى مسابقين , لان كل متسابق يحاول اعجاز الاخر . ( أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) , يقرر النص المبارك ان هؤلاء اصحاب النار الموقدة . وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{52} تبين الآية الكريمة ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ) , يختلف المفسرون في بيان الفرق بين الرسول والنبي , فمنهم من يرى : 1- الرسول هو نبي أمر بالتبليغ , اما النبي لم يؤمر بالتبليغ . “تفسير الجلالين للسيوطي” . 2- الرسول الذي يظهر له الملك فيكلمه والنبي هو الذي يرى في منامه وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد والمحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة . “تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني” . ( إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ) , يختلف المفسرون في ذلك ايضا , فمنهم من يرى : 1- ان الشيطان الرجيم يلقي الشبهات والوساوس على النبي , وهذا مرفوض , كون الرسل والانبياء معصومين . 2- ان الشيطان يلقي وساوسه وشبهاته على من يستمع اليهم , ليصدهم عن الاستماع اليها , والتفكر فيها , والاتعاظ بها , استدلالا بالآية الكريمة التي تليها ( لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ{53} . وهناك اراء اخرى كثيرة , ( فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ) , يبطل الباري جل وعلا ما يلقيه الشيطان الرجيم , ( ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ) , يثبتها , ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ ) , بخلقه , ( حَكِيمٌ ) , في تدبيرهم . لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ{53} تستمر الآية الكريمة في موضوع سابقتها الكريمة ( لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً ) , اختبار , محنة , بلاء , هذا الاختبار او المحنة لصنفين من الناس : 1- ( لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ) : وهو الشك والنفاق . 2- ( وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ) : المشركين حيث ان قلوبهم قاسية عن قبول الحق . ( وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) , يقرر النص المبارك ان الظالمين ” لأنفسهم وغيرهم ” في خلاف بعيد , طويل وعميق مع النبي الكريم محمد “ص واله” . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{54} تستمر الآية الكريمة في موضوع سابقاتها ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) , ما تعلموه من القرآن الكريم او من خلال صحبته “ص واله” , ( أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ) , اي القرآن الكريم , بما اوتوا من علم ادركوا انه حق نازل من الله تعالى , ( فَيُؤْمِنُوا بِهِ ) , يؤمنوا به عن علم وادراك , ( فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ) , تطمئن له قلوبهم بالانقياد والتسليم والطاعة , ( وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) , يقرر النص المبارك ان الله تعالى سوف يهدي او يوفق المؤمنين الى الطريق المستقيم , وهو الحق الثابت , الذي لا انحراف فيه , وفي النص المبارك ايضا وعدا ربانيا لكل مؤمن ان يهديه ويرشده الله تعالى الى طريق الحق الثابت “المستقيم الذي لا اعوجاج فيه” . وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ{55} تنعطف الآية الكريمة لتؤكد ( وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ) , في شك , ( حَتَّى ) , غاية شكهم ستبقى حتى حصول احد امرين : 1- ( تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ) : يختلف المفسرون في ذلك , فمنهم من يرى انها القيامة , ومنهم من يرى انها ساعة الموت , في الواقع لا اشكال ولا تعارض بين كلا الرأيين , فهناك مفهومين ليوم القيامة : أ‌) عام : وهو اليوم الموعود . ب‌) خاص : لكل شخص , وهو ما اشار اليه الحديث ( اذا مات الانسان قامت قيامته ) . 2- ( أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) : يختلف المفسرون ايضا في ماهية اليوم العقيم , فمنهم من يرى : أ‌) هو يوم بدر لا خير فيه للكفار كالريح العقيم التي لا تأتي بخير أو هو يوم القيامة لا ليل بعده . “تفسير الجلالين للسيوطي” . ب‌) العقيم الذي لا مثل له في الأيام . “تفسير القمي” . حيدر الحدراوي

وسوم :