الأكثر مشاهدة

حتى لايغرق المركب بمن فيه

 

حميد الموسوي

إذا كانت الصحة والأمان نعمتين مغبونتين (على رأي الامام علي “ع”) فأحسبه جعل الحرية شعبةً من شُعب الأمان، فهي ثالثة ثلاث بل هي صنو الأمان إذ بفقدانهما قد يفقد الإنسان حياته، وعائلته، وممتلكاته.. واستقراره!!.

هذه النعمة الثرة العظيمة.. بل الهبة الإلهية النفيسة حرمنا منها طيلة عقود سود.. من أيام عمرنا المثقل بالمعاناة والهموم، فلم نذق طعمها حتى في عالم الرؤيا والأحلام والتي كانت عبارة عن كوابيس رعب لا تنتهي، ومسلسلات فزع لا تنقطع يفرضها علينا “الخناس” عند خلود أرواحنا للنوم والذي غالباً ما كان ثقيلاً متعكراً.

هذه النعمة التي لم نستنشق عبيرها الا بثمن خرافي باهض لم يتحمل تكاليفه شعب من شعوب العالم، وتنوء تحت ثقله الأمم، ندري لماذا يصر الكثيرون من إخواننا، وجيراننا على مصادرتها وإعادتنا الـى كوابيس النهار قبل رعب الليل: حسداً، وحقداً، ضغائن قديمة وتصفية حسابات، وخوف إهتزاز عروش موغلة بالتسلط !!.

ولقد بحّت أصوات، وأقلام وشرفاء العالم. أفراداً، وجمعيات رسمية وغير رسمية:

أن دعوا هذا البلد المخرب يلملم جراحه، ويكفكف دمعه، امنحوا هذا الشعب الجريح فرصةً يعيد بها بناء مجتمعه المدني وإرساء قواعد حكومته الوطنية وإنهاء الإحتلال الذي جعلتموه ذريعة! وقد أسمعت لو ناديت حياً. ولم تجد نفعاً كل جولات المسؤولين العراقيين ولقاءاتهم بمسؤولي دول الجوار من أشقاء وأصدقاء وكشف ما تعيثه مخابراتهم ومجنديهم من خراب ودمار وذبح مثبتاً بالأدلة والوقائع والأفلام.. نعم كان هناك أطنانا من الوعود و”مسك الشوارب ودق الصدور” والله أعلم بما يبيتون!.

ويزداد الخراب يوماً بعد يوم، ويتحول البلد الـى ساحة حرب ضروس.. متعددة الجبهات ومتداخلة الخنادق، ويصبح شعبه الذبيح ضحيةً لتصفية الحسلبات.. و[دفاتر الدولارات وتصير بناه التحتية حطباً لحرائق المتشردين والمدمنين.. والموتورين!! ومع إستفحال الأزمة.. وإشتداد الهجمة.. وبدلاً من تظافر الجهود.. وتوحّد الإدارات بدلاً من تعليق الخلافات.. ونبذ الفرقة. وعوضاً عن ايثار وطن في “غرفة الإنعاش”] عوضاً عن هذا.. وذاك، يندفع البعض في سعار محموم بنهم الإستحواذ، وجشع المنافع، وشهوة التسلط، مغتنمين فسحة الحرية، ومستغلين فرصة إنشغال الحكومة بأعباء التركة المثقلة بالمشاكل التي خلفها النظام المقبور.. يندفع هذا البعض كلٌ من موقعه وبأساليب رخيصة محدثين أزمات تعقبها أزمات ليدخلوا الجماهير المرهقة المقهورة في حالة قنوط وإحباط ويأسٍ زيادة في معاناتها اليومية ومواجهتها الموت تفجيراً، وتفخيخاً، ونسفاً، ولسبب وآخر يغض البعض من قادة الحركات السياسية، وأرباب الفكر والثقافة والإجتماع طرفهم، ويطرشون آذانهم، ويخرسون ألسنتهم وأقلامهم غير عابئين بما حولهم وكأن الأمر لا يعنيهم.. وكأن الطوفان يستثنيهم!!.

أملنا كبير -بعد الله- ورجاؤنا أكبر بحركاتنا وأحزابنا وتجمعاتنا التي لم نشك لحظة بإخلاصها ووطنيتها.. أن تعي دورها أكثر.. وأن تتحمل مسؤولية موقفٍ تاريخيٍ وضعته الجماهير المقهورة أمانةً في أعناق قادتها.. وأن تجعل من حراجة المرحلة.. وحجم الكارثة، وخطورة الزلزال: باعثاً على توحيد المواقف، والقرارات، والنئي بالعملية السياسية بعيداً عن المطامح الحزبية الضيقة جاعلين من هذه التجربة الرائدة مركباً حدقاتهم ربانه.. وأذرعهم شراعه. مدركين: أن لا عذر لعابث فيه بحجة ممارسة حق في فضاء ديمقراطي!!. لأنَّ غرقهُ.. يعني.. لا قدر الله.. غرق المركب بمن فيه!.

 

 

 

 

وسوم :