الأكثر مشاهدة

تأملات في القران الكريم ح244 سورة الحج الشريفة

تأملات في القران الكريم ح244 سورة الحج الشريفة

بسم الله الرحمن الرحيم

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ{67} تبين الآية الكريمة ( لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ ) , يختلف المفسرون في معنى المنسك , فمنهم من يقول : 1- المنسك شريعة , يعملون بها , يذهب الى مثل هذا الرأي جملة من المفسرين منهم السيوطي في تفسيره الجلالين , والفيض الكاشاني في تفسيره الصافي ج3 . 2- المنسك هو الدين , فهم يدينون به . 3- المنسك مذهب يذهبون اليه في شؤونهم الدينية , يذهب الى هذا الرأي جملة من المفسرين , لعل ابرزهم الفيض الكاشاني في تفسيره الصافي ج3 والسيد هاشم الحسيني البحراني في تفسيره البرهان ج4 وعلي بن ابراهيم في تفسيره واخرون . 4- المنسك هو جملة العادات والتقاليد التي تمارسها الشعوب . ( فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ) , فلا ينازعك ارباب الملل في الدين , وقيل انها نزلت عندما قال بديل بن ورقاء وغيره من كفار خزاعة قالوا للمسلمين مالكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله يعنون الميتة , ( وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ ) , توحيده وعبادته جل وعلا , ( إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ ) , تضمن النص المبارك تقريرا منه جل وعلا للنبي الكريم محمد “ص واله” , انك لعلى دين “طريق” سوي . وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ{68} تضيف الآية الكريمة الى موضوع سابقتها ( وَإِن جَادَلُوكَ ) , خاصموك في دينك , فقد ظهر الحق , ولزمتهم الحجة , ( فَقُلِ ) , لهم , ( اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ) , في مجادلتكم الباطلة , وكافة اعمالكم الاخرى , فيجازيكم بها . اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ{69} تستمر الآية الكريمة في موضوع سابقاتها ( اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) , الله جل وعلا يحكم بينكم ايها المؤمنون والكفار يوم القيامة , ( فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) , فيما اختلفتم فيه من امر الدين . أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ{70} الآية الكريمة تخاطب النبي الكريم محمد “ص واله” والخطاب موجه لكافة الناس بالعموم , وللمؤمنين بالخصوص , ( أَلَمْ تَعْلَمْ ) , استفهام تقرير , ( أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ ) , كل ما فيهما , ( إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ ) , اللوح المحفوظ , ( إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) , للمفسرين عدة اراء في النص المبارك منها : 1- علم ما ذكر سهل عليه عز وجل . “تفسير الجلالين للسيوطي” . 2- اثبات ذلك في اللوح سهل يسير عليه عز وجل . “تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني” . 3- الحكم بينكم يوم القيامة سهل يسير عليه عز وجل . “تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني” . وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ{71} تنعطف الآية الكريمة لتبين ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ) , الاوثان وغيرها , ( مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ) , ليس لهم حجة على جواز عبادته , ( وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ ) , لا علم لهم فيما هم عليه قائمون من عبادة تلك الاصنام , وما افتروه واختلقوه , بل هم وجدوا اباءهم يعبدونها , فقلدوهم فيما كانوا عليه , ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ) , ينصرهم , او يمنع عنهم ولو شيئا من العذاب . وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ{72} تبين الآية الكريمة حال الكفار , ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا ) , آيات القرآن الكريم , ( بَيِّنَاتٍ ) , واضحات الدلالة والمدلول , ( تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ ) , ترى على وجوههم علامات الانكار من العبوس وغيره , ( يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ) , يقاربون الوثوب على الذين يقرؤون آيات القرآن الكريم ويبطشون بهم , ( قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ ) , من حنقكم وغيظكم على التالين لكتاب الله تعالى , وما هو اكره لكم منه , ( النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) , النار التي توعد الله تعالى بها الكفار , ( وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) , ساء المصير فيها . يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ{73} الآية الكريمة تخاطب الناس بالعموم ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ) , ضرب لكم مثلا , فاستمعوا له استماع اتعاظ وتدبر , ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً ) , ان ما تعبدون من دونه عز وجل من الاصنام ليس بإمكانهم ان يخلقوا ذبابة على صغر حجمها , ( وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ) , ولو اجتمعوا وتعاونوا على خلقه , ليس ذاك فقط , بل ( وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ) , بل لا يمكنهم ان يستردوا ما سلبهم اياه الذباب من الطيب والعنبر الذي تلطخ به الاصنام , ( ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) , الطالب هو المعبود من دون الله تعالى , ضعف ان يسترد ما سلبه منه الذباب , والمطلوب هو المعبود او الذباب , كلاهما ضعيفان , فكيف تكون هذه الاصنام الهة وهي بهذا القدر من الضعف والهوان ! . مما يروى في سبب نزول الآية الكريمة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ” كانت قريش تلطخ الاصنام التي كانت حول الكعبة بالمِسْك والعَنْبر، وكان يغوث قبال الباب، وكان يعوق عن يمين الكعبة، وكان نسر عن يسارها، وكانوا اذا دخلوا، خرّوا سجّداً ليغوث، ولا ينحنون، ثم يستديرون بحيالهم الى يعوق، ثم يستديرون بحيالهم الى نسر، ثم يلبّون، فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، ألا شريك هو لك، تملكه وما ملك “. قال: ” فبعث الله ذباباً أخضر، له أربعة أجنحة، فلم يبق من ذلك المسك والعنبر شيئاً الا أكله، فأنزل الله عز وجل: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) ” . (اسباب النزول في ضوء روايات اهل البيت للسيد مجيب جواد جعفر الرفيعي , تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني , تفسير البرهان ج4 للسيد هاشم الحسيني البحراني ) . مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ{74} تبين الآية الكريمة ( مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) , ننقل فيها رأيين : 1- ( ما قدروا الله ) عظموه ( حق قدره ) عظمته إذ أشركوا به ما لم يمتنع ممن الذباب ولا ينتصف منه . “تفسير الجلالين للسيوطي” . 2- ما عرفوه حق معرفته حيث أشركوا به وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة . “تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني” . ( إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) , الغالب . اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ{75} تؤكد الآية الكريمة ( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً ) , يختار عز وجل من الملائكة من يكون وسيطا بينه وبين الرسل والانبياء “ع” , وأولئك الملائكة هم جبرائيل , ميكائيل , اسرافيل , عزرائيل “ع” , ( وَمِنَ النَّاسِ ) , وهو جل وعلا يختار من الناس من هو اهلا لأداء رسالته ويقوم بدينه , وهم سائر الرسل والانبياء واوصيائهم “ع” , ( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) , ان الله تعالى يسمع كل قول , ويرى كل فعل . مما يروى في سبب نزول الآية الكريمة , انها نزلت ردا على المشركين عندما قالوا { أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا } ص8 . “تفسير الجلالين للسيوطي” . يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ{76} تقرر الآية الكريمة ان الله تعالى ذكره ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) , بما وقع وسيقع , ما عملوا وقدموا , وما سيعملون ويقدمون , ( وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ ) , في نهاية المطاف , ان كل الامور سترجع اليه جل وعلا . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{77} تضمنت الآية الكريمة خطابا مباشرا للمؤمنين ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) , بعد الخطاب اربعة اوامر : 1- ( ارْكَعُوا ) : الصلاة , او الخضوع لله تعالى . 2- ( وَاسْجُدُوا ) : الصلاة , او التسليم لكل ما جاء من عنده عز وجل . 3- ( وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ) : سائر العبادات الاخرى كالصيام وغيره . 4- ( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ) : سائر اعمال الخير , كمكارم الاخلاق وصلة الارحام وغيرها . ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) , من قام بكل ذلك ووفق له ينال الفلاح بدخول الجنة . وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ{78} يستمر الخطاب في الآية الكريمة مضيفا اربعة اوامر اخرى : 1- ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ) : امر بجهاد الاعداء الظاهريين والباطنيين ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ ) , لإقامة الدين , ( حَقَّ جِهَادِهِ ) , مستنفرين كل الطاقات , ( هُوَ اجْتَبَاكُمْ ) , اختاركم للدين ونصرته , ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) , رفع عنكم كل ضيق , ويسره عليكم , كإفطار المريض والمسافر , وقصر الصلاة في السفر … الخ , ( مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) , الدين الذي كان عليه ابراهيم “ع” , ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ) , في الكتب الماضية , ( وَفِي هَذَا ) , القرآن الكريم , ( لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ ) , شاهدا عليكم بالبلاغ يوم القيامة , ( وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ) , وبدوركم تكونون شهداء على الامم الاخرى يوم القيامة بوقوع البلاغ وتمام الحجة . 2- ( فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) : المداومة والحفاظ على الصلاة المفروضة , ويضاف لها الصلاة المستحبة من باب الاستحباب . 3- ( وَآتُوا الزَّكَاةَ ) : انفاق المال الواجب في الزكاة , فيدفع لمستحقيه . 4- ( وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) : ( وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ) , ثقوا به جل وعلا في جميع الامور , ولا تطلبوا النصرة من غيره , ( هُوَ مَوْلَاكُمْ ) , ناصركم ومتولي لجميع اموركم , ( فَنِعْمَ الْمَوْلَى ) , انعم به جل وعلا من متولي “ولي” , ( وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) , لا مثيل له جل وعلا بالنصرة . حيدر الحدراوي

وسوم :